سارت السنة النبوية على المنهج القرآني نفسه في تعدد النصوص التي تختص بتوضيح دور المرأة في الحضارة الإسلامية، وانقسمت تلك الأحاديث إلى نوعين: اختص الأول بإقرار المساواة بين المرأة والرجل في أصل العبودية والحقوق والواجبات، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إن النساء شقائق الرجال»، أخرجه أبو داوود في سننه، في حين اختص النوع الثاني بِحَثِّ الرجال على الرفق بالنساء والإحسان إليهن، وذلك لما تتسم به المرأة من رقة في الطباع، وخجل في الأخلاق، قد تحول بينها وبين المطالبة بحقوقها ومعاملتها معاملة حسنة.
إلا أن السنة أكثرت من ذلك النوع الثاني من النصوص التي توصى الرجال بالنساء، وتوصى بالمعاملة الحسنة الراقية المليئة بالود، فقد أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم في إجابة لسؤال سأله أحد أصحابه، رضي الله عنه: حيث قال له - صلى الله عليه وسلم: «من أحب الناس إليك؟ قال: (عائشة)»، رضي الله عنها، أخرجه الحاكم في المستدرك، وكذلك في رواية أخرى إجابة منه صلى الله عليه وسلم عن السؤال نفسه قال: «فاطمة» رضي الله عنها، أخرجه الحاكم في المستدرك، ففي هذين الخبرين إشارة إلى تكريم المرأة باعتبارها زوجاً وباعتبارها ابنة، فعندما يعلم المسلم أن أحب الناس إلى نبيه وقائده الأعظم صلى الله عليه وسلم كانت امرأة يعلم حينئذ قدر المرأة ويجل كل امرأة تأسياً بنبيه صلى الله عليه وسلم.
بل كان من كمال خلقه صلى الله عليه وسلم أن يصل بالهدايا صديقات زوجه خديجة رضي الله عنها، فعن أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُتِى بالهدية قال: اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة»، أخرجه الطبراني في معجمه الكبير.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً» «البخاري في صحيحه» وفيه وصية تدعو للاهتمام بأمر النساء عامة زوجةً وأُمًّا وابنةً، بل في أي درجة كانت.
كل النصوص السابقة تؤكد أن المرأة كالرجل في أصل التكليف، وأصل الحقوق والواجبات، وأن الاختلاف الذي بينهما في ظاهر الحقوق والواجبات من قبيل الوظائف والخصائص، وليس من قبيل تمييز نوع على آخر، فلا يعد اختلاف الوظائف والخصائص انتقاصاً لنوع، فمثلا إذا وعد أب أن يكسو أبناءه في العيد، فالظلم هنا أو الانتقاص هو أن يكسو الأبناء دون البنات، ولكن ليس من الظلم أن يفرق بين نوع الملابس التي يلبسها ابنه الذكر عن تلك الملابس التي تلبسها ابنته الأنثى طبقا لاختلاف الوظائف والخصائص.
فالمرأة تمتاز بخصائص فكرية وعاطفية وفسيولوجية، وتقوم بوظائف تناسب طبيعتها وتكوينها، فهي الزوجة التي تحمل الحياة، وهي الأم التي تربي المولود وترضعه وتحنو عليه، وهذه الوظائف تتناسب مع خصائصها الفكرية والعاطفية والفسيولوجية، في توافق مبهر مع طبيعة الحقوق التي تتميز بها، والواجبات المتعلقة بها في منظومة متكاملة، وتبرز تميز كل نوع عن الآخر، كما تجعله متكاملا معه، مندمجاً، ومكوناً معه أولى لبنات المجتمع وهي الأسرة.
فكل ما سبق من أحاديث نبوية وما يناظرها من نصوص قرآنية يؤكد ويدلل على علو مكانة المرأة في التشريع الإسلامي، وأنه لا يوجد تشريع سماوي ولا أرضي سابق ولا لاحق كرّم المرأة وأنصفها وحماها وحرسها مثل ذلك التشريع الإسلامي.
وعلى الرغم من وضوح صورة المرأة في نصوص الشريعة الإسلامية سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة فإن بعضهم يتعمدون إلقاء الشُّبَه وما في نفوسهم من موروث العادات القديمة على بعض النصوص النبوية، في محاولة منهم للتضليل والتحريف لمقاصد الشرع، ومن ذلك ما ثار حول حديث «ناقصات عقل ودين»، فالحديث يفيد معنى جمال المرأة، وقدرتها على التأثير على عقل الرجل، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُبٍّ منكن، قالت: يا رسول الله - وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين»، أخرجه أحمد في مسنده.
فكان الحديث في بدايته تدليلا وتعجبا من قدرة المرأة على التأثير على عقل أحكم الرجال، ثم عندما ظنت إحدى النساء أن المعنى فيه إساءة للنساء سألت النبي عن معنى ذلك النقصان الذي أطلقه النبي، صلى الله عليه وسلم، في بداية حديثه، فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا النقصان لا يعني دنو منزلة المرأة في العقل والدين عن الرجل، وإنما يعني ضعف ذاكرة المرأة غالباً في الشهادة على الأمور المالية لقلة اشتغالها بها، ولذا احتاجت من يذكِّرها، ويعنى أيضاً ما يحدث للمرأة من أمور فسيولوجية خاصة بطبيعتها الأنثوية، كالحيض والنفاس، مما خفف الشرع عنها أثناء فترة هذه المتاعب الصحية من ترك الصيام والصلاة.
فعندما فهمت المرأة قصد الشرع من نقصان العقل والدين، وأنه ليس إهانة للمرأة ولا إنقاصا من قدر عقلها ودينها، عندما عرفت ذلك سكتت. ثم كيف تكون النساء أنقص في الدين من الرجال، وكانت سيدة نساء العالمين مريم بنت عمران، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخديجة رضي الله عنها، وآسية، كلهن يعجز أغلب الرجال عن أن يقتربوا من درجتهن في العبادة والدين، وأن ينالوا منزلتهن عند الله؟!
فينبغي أن يُفْهَم ذلك النص النبوي في سياقه، وينبغي كذلك أن يفسر كلام النبي صلى الله عليه وسلم في حدود ما فسره هو بنفسه، لا نزيد ولا ننقص، فليس في هذا الحديث ذم لعقل المرأة أبداً، ولا دينها، وإنما هو - كما أوضحنا - إقرار لما قد يطرأ على ذاكرة كثير من النساء من نسيان في نقطة واحدة هي مجال الأعمال التي غلب عليها الرجال كالتجارة والأموال، وكذلك إشارة إلى تخفيف الشرع على المرأة في أيام تنتابها متاعب صحية وتقلبات مزاجية، وكل ذلك على حد دلالها والتلطف بها ومجاملتها وتطييب خاطرها، وهو من حسن الخُلُق ومن علامات إرشاد الرجال إلى كيفية معاملة النساء بما يليق بهن كشق نواة ينتج عنها ثمار المجتمع والحضارة.


