يظن كثير من المتصدرين للإفتاء أنه بمجرد قراءتهم للقرآن أو حتى حفظهم له مع بعض الإلمام بالأحاديث النبوية الشريفة, أنهم قد تأهلوا بذلك للإفتاء في دين الله تعالى, فضلا عن إرشاد الناس وتعليمهم أمور دينهم, ونسوا أو تناسوا أن العلماء قاطبة, ومعهم علماؤهم المولعون بهم, قد وضعوا للاجتهاد والإفتاء شروطا, لا تتوافر إلا في القليل من الأمة في كل عصر, مصداقا لقول الله سبحانه: (وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:122].
وأمر الفتوى ليس بالشيء الهين; إذ هي تمر بأربع مراحل أساسية, تخرج بعدها في صورتها التي يسمعها أو يراها المستفتي, وهذه المراحل الأربع هي: مرحلة التصوير, ومرحلة التكييف, ومرحلة بيان الحكم, ومرحلة الإفتاء.
المرحلة الأولى: مرحلة التصوير: وفيها يتم تصوير المسألة التي أثيرت من قبل السائل, والتصوير الصحيح المطابق للواقع شرط أساسي لصدور الفتوى صحيحة منسجمة مع الواقع المعيش, وعبء التصوير أساسا يقع على السائل, لكن المفتي ينبغي عليه أن يتحرى بواسطة السؤال عن الجهات الأربع التي تختلف الأحكام باختلافها, وكثيرا ما يتم الخلط والاختلاط من قبل السائل بشأنها, وهي الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
وقد نقل الحافظ السيوطي عن الإمام الغزالي أن وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين في نفسه, بل الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها, ولو كلف وضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث في كل واقعة عجز عنه, ولم تخطر بقلبه تلك الصور أصلا, وإنما ذلك شأن المجتهد (كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض.. للسيوطي ص 181).
المرحلة الثانية: مرحلة التكييف: والتكييف هو إلحاق الصورة المسئول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله, فتكيف المسألة مثلا على أنها من باب المعاملات لا العبادات, وهذه مرحلة تهيئ لبيان حكم المسألة الشرعي, والتكييف من عمل المفتي, ويحتاج إلى نظر دقيق.
المرحلة الثالثة: مرحلة بيان الحكم, ويؤخذ هذا من الكتاب والسنة والإجماع, ويتم إظهاره أيضا بواسطة القياس والاستدلال, ويجب على المفتي أن يكون مدركا لهذه الأدلة وترتيبها, ولدلالات الألفاظ العربية وطرق الاستنباط, وإدراك الواقع إدراكا صحيحا, ويتأتى هذا بتحصيله لعلوم الوسائل والمقاصد, كالأصول والفقه واللغة والحديث ونحوها, وبتدريبه على الإفتاء الذي ينشئ لديه ملكة راسخة في النفس يكون قادرا بها على ذلك, وكذلك تحليه بالتقوى والورع والعمل على ما ينفع الناس.
المرحلة الرابعة: الإفتاء, أو مرحلة تنزيل الحكم الذي توصل إليه على الواقع الذي أدركه, وحينئذ فلابد عليه من التأكد أن هذا الذي سيفتي به لا يكر على المقاصد الشرعية بالبطلان, ولا يخالف نصا مقطوعا به, ولا إجماعا متفقا عليه ولا قاعدة فقهية مستقرة.
ومن الأمثلة الواضحة لكيفية تطبيق تلك المراحل وتغيب عن أذهان غير المتخصصين, مسألة طلاق الغضبان, التي يفتي فيها البعض بغير علم لما سقناه, فيهلك نفسه ويدمر غيره بتشتيت شمل الأسرة وضياع أطرافها, فالغضب على ثلاثة أقسام: أولها: يصاحبه فقد الإدراك والإملاك, وفقد الإدراك أن يبلغ الغضب نهايته, بحيث ينغلق على صاحبه باب العلم والإرادة, فلا يعلم شيئا من أربعة أشياء حوله هي: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال, ويعرف هذا الفقد بالتحقيق معه, وفقد الإملاك هو أنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من أن يتفوه بكلمات الطلاق وغيرها, وهذا القسم لا خلاف بين العلماء في عدم وقوع طلاقه, لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طلاق في إغلاق (سنن ابن ماجة: 660/1). والإغلاق هو الغضب الشديد.
والقسم الثاني من الغضب هو من كان مدركا إلا أنه فقد الإملاك, فيخرج منه الكلام ولا يستطيع منعه, بحيث صار كالمجنون, وفي هذه الحالة لا يقع الطلاق أيضا على الراجح, إذ الأدلة الشرعية تدل على عدم نفوذ طلاقه وعقوده, التي يعتبر فيها الاختيار والرضا, وهو فرع من الإغلاق, كما فسره به الأئمة.
والقسم الثالث: أن يكون للإنسان إدراك وإملاك, حيث لا يتغير عليه عقله ولا ذهنه, ويعلم ما يقوله ويقصده, لهذا لا خلاف في وقوع طلاقه, خاصة إذا وقع منه ذلك عن قصد ونية, حتى ولو كان غاضبا, إذ أغلب حالات الطلاق لا تتم إلا في الغضب.
لذا كان تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الغضب شديدا, فقد روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني, قال: لا تغضب, فردد مرارا قال: لا تغضب (البخاري: 5567/5). وقال صلى الله عليه وسلم: لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان (ابن ماجة 2/776). والطلاق حكم من الرجل يصدره على المرأة, فلا يصح أن يصدر منه وهو غضبان, وإذا صدر ينبغي ألا يقع, حماية للأسرة, وأسوتنا في ذلك أن الله تعالى لم يلق باللوم على سيدنا موسى عليه السلام حين ألقى الألواح بعد أن تملكه الغضب, قال تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ) [الأعراف:154]. فالغضب غول يغتال العقل ويغيبه, ويجعل الإنسان لا يعلم ما يقول, ومن هنا ندرك حكمة الشارع في عدم الاعتداد بطلاق الغضبان على ما ذكرنا.
ونستطيع أن نقرر بعد هذا البيان أن: الحكم على الشيء فرع عن تصوره, وتكييفه, وكيفية تنزيل النصوص عليه. ولا يكون ذلك إلا لمن داوم على الأخذ عن العلماء الموثوق بهم, والمشهود لهم, وثابر على الجلوس بين أيديهم, وشرب من كأسهم المترعة بالعلم والحكمة والرحمة, ومارس الفتيا أمامهم حتى أذنوا له بتعليم الناس وإفتائهم.


