لم يرد في الكتاب ولا في السنة شيء من هذا.. لم يعلمنا رسول الله ﷺ هذا بعلم مستقل.. ونحن ندرس في الأزهر, ولم يكن في منهج الأزهر علم كهذا يبين لي متى أقرأ, أو ماذا أقرأ, أو علي ماذا أقرأ, أو كيف أقرأ, أو ما هذه الآثار التي ستترتب علي هذه القراءة.
أما قراءة القرآن الكريم عموما, فهي من قبيل الذكر, ومن قبيل الدعاء, يعني إذا قرأت من أجل أي شيء كان فإنه مثل الدعاء بالضبط, مثلما أقول: يا رب وفقني.. ونجحت في الامتحان.. يا رب اشف مريضا.. يا رب خفف عن.. يا رب سدد دينا.. يا رب ارزقني رزقا واسعا من حيث لا أحتسب.. هذا غاية ما أستطيعه من عمل.. وغاية ما أستطيعه في استرزاق.. لكن أنت الذي بيدك ملك السماوات والأرض.. إلخ. فأقرأ السورة من القرآن, أو الآيات.. ثم أدعو.. ولا حرج علي فضل الله. فالله يستجيب الدعاء أو يؤخر الاستجابة لحكمة عنده أو يدخر ذلك لنا يوم القيامة.
لكن ليس هناك علاقة سببية علاجية إكلينيكية.. تقول إنني لو قرأت الآية سوف تؤثر في الجسم تأثيرا معينا.. أبدا.. ليس هكذا. ولذلك قالوا في هذا المجال.. العبرة بالقارئ لا بالمقروء.. نحن جميعا معنا القرآن كله من جهة المقروء نقرؤه مثلا علي من عنده سرطان.. نقرؤه من أوله إلي آخره لا فائدة لماذا؟ لأن العبرة بالقارئ وليس بالمقروء.. القارئ لو أنه دعا فاستجيب له, فيوقف الله هذا السرطان ويقضي عليه.. والله قادر علي إحياء الموتى.. قادر علي شفاء المرضي..
إذن قضية التلاوة هي تشبه تماما قضية الذكر والدعاء.. ولكن بعض الناش يطلق علي نفسه( معالج بالقرآن), ويصبح كأن عنده علما.. هذا مستشار, والمستشار مؤتمن, وهو بذلك يخون هذه المسألة.. هناك فرق أن نجرب هذا فإذ به مرة يصلح ومرة يؤخر ومرة يدخر... إلخ. وهو نوع من أنواع العبادة.. وبين أن أدعي أنني صاحب علم, وأنه مؤثر بكيفية مؤثرة وأنه في يد مقاليد هذا العلم. الأولي مشروعة, وواردة في الشرع الشريف, ولا بأس بها, نجرب والصحابي رقي بالفاتحة فبرئ اللديغ.. ولكن لم يدع أنه معالج بالقرآن, فهذه الكلمة ( معالج بالقرآن) عبارة عن بدعة وخيانة للأمانة.
فيجب علينا ألا نحول الديانة إلي خرافة.. الديانة عقلية علمية منضبطة, فيها تقوي, وفيها إيمان, وفيها ورع, وفيها اتصال بالله, وفيها واقع وحقيقة.. وكم رأينا أن الدعاء يشفي المرضي, ولكن لم نقل للمريض قط: لا تذهب إلي الطبيب واكتف بالدعاء. وذلك لأن المؤمن يتخذ الأسباب, ويدعو, ويقول: يا رب.. الفلاح يلقي الحب ويدعو: يا رب.. إذن ترك الأسباب جهل والاعتماد عليها شرك لا يجوز, فإن الشافي هو الله وليس الدواء ولا الطبيب, ولكن الله أمرنا أن نأخذ بالأسباب, " لكل داء دواء"[1] "ما خلق الله داء إلا خلق له الدواء"[2].
هذه أحاديث نبوية, فأمرنا أن نفعل الأسباب, وفي نفس الوقت ندعو الله سبحانه وتعالي والخلط بينهما تدليس وتلبيس من هؤلاء الناس, ولا يجوز ولا يصح.
[1] متفق عليه.
[2] أخرجه أبو داود والترمذي, ولفظه: "يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء".


