إن الله سبحانه وتعالى اختارنا أمة للرسالة، وجعلنا خير أمة أُخرجت للناس إن نحن فهمنا عن الله مراده، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالته، وإن كنا على قدمٍ يرضى فيها الله عنا، حتى نكون هداية للعالمين ولا نكون فتنة للناس، ولنظل بذلك معمِّرين للكون وبناة حضارة شامخة شاهدة على عظمة الإسلام وإعجاز رسالته.
وإذا كانت الحضارات دائرة بين صعود وانحدار لارتباطها بأفعال الإنسان فقد أرشدنا الله تعالى إلى ما يصحح هذه الأفعال وهو مقام التوبة، والتوبة عادت كلمة إذا ما سمعها المؤمن اختزل معناها وجعلها خاصة بارتكاب المعاصي، وجعلها أمراً غيبياً يتعلق باليوم الآخر، والتوبة أعظم من ذلك! تشمل هذا وتزيد عليه، فالتوبة حالة نقد ذاتي.. حالة من مراجعة النفس.. حالة من الرقابة الإدارية.. ومن ثم فالتوبة تعد إحدى الأدوات المهمة في بناء إنسان الحضارة، فالإنسان الذي يربي نفسه على التوبة بمفهومها الصحيح والشامل هو إنسان قادر على بناء المجتمع الإنساني وتشييد أركانه.
والمعنى الصحيح للتوبة يظهر جلياً في قول رسول الله، المصطفى الحبيب والمجتبى المعصوم، سيد الكائنات: «واللهِ إني لأستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه في اليوم أكثرَ من سبعينَ مرَّة» (صحيح مسلم) فهل كان يتوب عن معصية يرتكبها، أم عن كبيرة يقع فيها؟ حاشاه.. فمن أي شيء كان يتوب - صلى الله عليه وسلم؟!
ولكنها كانت نقداً ذاتياً ومراجعة، ليعلمنا المحاسبة لعمل اليوم: ما الذي قصرنا فيه؟ ما الذي كان في ذمتنا فلم نفعله لله؟ ما الذي كان ينبغي أن يتم على وجه هو أحسن من ذلك وأجدى؟
والتوبة في اللغة: الرجوع، تاب إليه أي: رجع إليه، ومنها المراجعة، ومنها المراقبة، ومنها المحاسبة على حد ما قال سيدنا عمر، رضي الله عنه: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحسَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيَا» (رواه الحاكم في المستدرك).
فالتوبة لو فهمناها لأدخلناها عنصراً من عناصر الإدارة، وعنصراً أساساً في الاقتصاد الذي يجري بين الناس، وعنصراً أساساً في الحكم، وعنصراً أساساً في السياسة، خارجيِّها وداخليِّها، وعلى هذا المفهوم كيف لنا أن نبني حضارة دون استيعاب مفهوم التوبة في أدبياتنا وثقافتنا!
والتوبة معنى عظيم، ودلالتنا على المعنى الصحيح الواسع الذي أراده الله ليس معناها أن الفهم المحدود للتوبة محض خطأ، بل هو عجز وقصور، فالمرء إذا ما أذنب ذنباً وجب عليه التوبة، فـ«كلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاء، وَخيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (رواه الترمذي في سننه) وكما علّمنا سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم.
أنك إن فعلت ذنباً وجب عليك أن تقلع عنه، وأن تظهر الندم عليه، وأن تعزم ألا تعود لمثله أبداً، ثم بعد ذلك إن كان متعلقاً بحقوق العباد أن ترد إلى العباد حقوقهم، وإن كان متعلقاً بالله -والله كريم- فإن الله يسامحك ويغفر لك لأنه عفو غفور رحيم، لا تضره المعصية كما لا تنفعه الطاعة.
والتوبة ينتج عنها المراجعة، ولما أن فرَّغنا التوبة من معناها الدنيوي وقصرناها على غيب الآخرة فسر المفسرون قوله تعالى: (يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) [هود:٣] أي: إلى مدة حياتكم، ولكننا إن أرجعنا لها المعنى الواسع، فيظهر لنا ضرورة المراجعة الدائمة، لأن فن المراجعة وسنة الله سبحانه وتعالى فيه أن يستمر ذلك دائماً، ويرشدنا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم إلى أن نفعل ذلك كل يوم، فالله يصحح لنا أعمالنا ويحفظ علينا نظامنا وييسر لنا أفعالنا إلى أجل مسمى.. لابد بَعدَه -قصر أو طال- من مراجعة أخرى.. ومن توبة ثانية.. من بعد توبة.
وليتيقن المرء أن الله «عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» يصلح الحال إذا ما تحققنا بهذا، ولا يكفي واحداً فينا أن يفعل ذلك حتى يتغير المجتمع أو تصحو الأمة (وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31]، إذا أراد المؤمن أن يكون واحداً من أمة ويريد لهذه الأمة أن تتقدم البشر وأن تقوم برسالتها، وأن تكون لها العزة والكرامة فعليه أن يفعل ذلك وأن يأمر غيره به، فواحد لا يكفي، من تاب على مستواه بارك الله له في حياته وجعله مفلحاً فيها ولا نرى أثر ذلك في الأمة إلا إذا تحرك جمع منا يتوب إلى الله فينصر الله به الأمة.
ويقـول ربنا سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً) [التحريم:٨]، و«نَصُوحاً» من النُّصح، ويقول صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَة» (صحيح مسلم)، ونفهم نحن «نَصُوحاً» على أنها توبة صادقة، ولكن لو تعمقنا في «النون والصاد والحاء» في «النصح»، وجدنا أن النُّصح هذا له أركانه وله شروطه، ومنها أن نكون مجتمعاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، عن صواب وعلم ووعي وإخلاص، وقد فنيت حضارات عديدة بسبب إغفالها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
هذه خلاصة النصيحة.. فإذا عرفنا ذلك عرفنا أن توبتنا ينبغي أن تتصف بتلك الصفات: أن تكون لله، وأن تكون صادقة، وأن تكون ذات همة.. وهذه الهمة إنما هي لتغير أحوالنا إلى أحسن حال- كما يريدنا الله عز وجل- في جانبيها: في جانب الشهادة وفي جانب الغيب، لأنه سبحانه وتعالى عالِم الغيب والشهادة، وبيده الملك والملكوت، وهو رب الدنيا والآخرة، فالاختزال بتر لمراد الله من أوامره وإرشاداته..! ونحن نأمل أن يعود الأمر إلى الأمر الأول، لا أن نهتم بدنيانا ونترك آخرتنا، ولا أن نهتم بآخرتنا ونترك دنيانا، ولكن علينا أن نفهم عن الله مراده كما أراد، فنعبده كما أراد سبحانه، ونعمر كونه كما أرشدنا في كتابه، ونزكي أنفسنا مثلما دلنا في هدى نبيه صلى الله عليه وسلم.
حث الإسلام على الحياء باعتباره خلقاً محموداً على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع حتى شاع الذم بعبارة (قليل الحيا) في الاستعمال اليومي، مع حذف همزة الحياء، لأن العرب تقصر كل ممدود ولا تمد بالضرورة كل مقصور. ومما يدل على أن هذا المعنى ثقافة عامة عبر العصور قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (رواه البخاري)، وكان الحياء ينشئ ثقافة سائدة تمنع من الانحراف وتضبط إيقاع العمل على المستوى الشخصي والمستوى الجماعي، وانعدام الحياء يوصلنا إلى فقد المعيار الذي به التقويم والذي به القبول والرد والذي به التحسين والتقبيح، وفقد المعيار هذا يؤدي -أيضا- إلى ما يشبه الفوضى، وهي الحالة التي إذا استمرت لا يصل الإنسان إلى غايته، ويضيع الاجتماع البشري وتسقط الحضارات في نهاية المطاف حيث لا ضابط ولا رابط، ولذلك كان الحياء من الأعمدة المهمة في بناء إنسان الحضارة.
والحياء المذكور في القرآن جاء على ثلاثة أنحاء، الأول : ما أسند إلى الله تعالى، قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) [البقرة:٢٦]. وذلك أن هذا ليس بحال الحياء، لأنه مجال تعليم، والحياء إنما هو خلق يمنع صاحبه من السوء وإظهار المعصية وحب إشاعة الفحشاء، ولا علاقة له بالخجل من السؤال في العلم وطلب التعلم، لأن العلم وطلبه من الحق. قال تعالى: (وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) [الأحزاب:٥٣] والثاني: حياء منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فيستحيى منكم) [الأحزاب:٥٣]، وهو حياء من كمال خُلقه ورحمته بأتباعه، حيث يقول لهم: «أنا لكم بمنزلة الوالد» (أبو داوود وابن أبي شيبة). والثالث: جاء منسوباً إلى النساء العفيفات اللائي تربين في بيوت النبوة، وذلك في قوله تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) [القصص:٢٥].
والحياء في خصال البشر نوعان: نوع مكتسب، ونوع غريزي، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في أخلاقه وسلوكه، قال القرطبي: «وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جُمِع له النوعان من الحياء المكتسب والغريزي، وكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان في المكتسب في الذروة العليا صلى الله عليه وسلم» (المفهم شرح مسلم). ولذا فقد وصفه أصحابه رضوان الله عليهم فقالوا: «كان النبي صلى الله عليه وسلم، أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه» (متفق عليه).
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الحياء ورغَّب فيه، وحفز المؤمنين على التخلق به، فالحياء من الأخلاق التي تميز الإسلام وأهله، ولذا يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء» (ابن ماجة، والطبراني في الكبير).
ويعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نطبق خلق الحياء مع الله سبحانه وتعالى، فيقول: «استحيوا من الله حق الحياء. قال: قلنا: إنا نستحيي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتتذكر الموت والبِلَى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» (رواه الترمذي).
فالحياء كله خير، ولا يأتي إلا بالخير، والذي أخبر بذلك هو الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (متفق عليه). وفي الحديث: «الحياء خير كله ولا يأتي إلا بخير» (رواه مسلم).
كل هذه الأحاديث تؤكد قيمة الحياء العظيمة في الإسلام، وأن الحياء هو خلق الإسلام حقا، لأنه باعث على أفعال الخير ومانع من المعاصي، ويحول بين المرء والقبائح، ويمنعه مما يعاب به ويذم، فإذا كان هذا أثره فلا شك أنه خلق محمود، لا ينتج إلا خيرا.
وقد قال العلماء: الحياء من الحياة، وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح.
وإذا كان الحياء العرفي يمنع صاحبه من التعلم فهو حياء مذموم ولا يكون هو المطلوب من المسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» (رواه مسلم). وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: «جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إذا رأت الماء» (رواه البخاري).
وما أحوجنا في هذا العصر أن نتعلق ونتخلق بصفات الله سبحانه وتعالى، ونتحلى بأخلاق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياء، حتى ندعو إلى هذا الدين بالخلق الحسن، فيدخل الناس في دين الله أفواجا كما حدث من قبل، نسأل الله أن يرزقنا وجميع المسلمين الحياء، ويجمعنا على الهداية والطاعة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
يقول الله سبحانه وتعالى: (لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:٢٨٤]، إن هذه الآية تلخص طريق المسلم في حياته، وهو في جميع أوضاعه وأحواله، بكلمات يسيرات، ولما صدرت عن ربنا سبحانه وتعالى في هذه البلاغة العالية كانت دستوراً للمسلمين، ومنهاجاً للعابدين، وطريقاً للسالكين، وبياناً للمتقين، ومن ثم لا يمكن بناء إنسان الحضارة دون التوقف عند هذه الكلمات.
فتفاعل المسلم مع الآية يقتضي أن يعلن في نفسه أن الله سبحانه وتعالى يملك ويخلق ويرزق، يحيي ويميت، يُوجِد ويُفنِي، وهذه الآية القرآنية البليغة تبدأ بصيغة القصر، حيث قدم الجار والمجرور، ففي لغة العرب تقديم الجار والمجرور أو الظرف يدل على مزيد الاختصاص، فهي تساوى في المعنى أن السموات والأرض لله وحده.
وعبّرت الآية القرآنية عن الخلق بـ (ما) الموصولة ليدخل فيها العقلاء وغير العقلاء، والأحياء والأموات، والمتحركون والساكنون، والعالمون والجاهلون.
واستعملت الآية لفظ (السموات) بالجمع ولم تستعمل (السماء) بالمفرد للتعظيم من شأنها، فإن سُمْك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فضلا عن أن ما بين كل سماء وما بعدها مسيرة خمسمائة عام كذلك، وذلك التعظيم يزيد من معرفة الإنسان بضآلة حجمه أمام هذا المخلوق العظيم، بل بضآلة حجم الكوكب الذي يعيش عليه، فإنه لا يمثل حجم حبة الرمل في الصحراء.
يذكر الله في هذه الآية أن له ما في السموات والأرض، ويذكر في آيات أخرى أن له مُلك السموات والأرض، وذلك لدفع توهم الجاهلين أن الظرف خارج عن مُلك الله، ولذلك كثر التأكيد على هذا المعنى في أكثر من موضع نذكر منها قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) [البقرة:١٠٧]، وقوله سبحانه: (وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:١٨٩].
وكذلك قوله سبحانه وتعالى: (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة:١٧]. وقوله تعالى: (يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ) [المائدة:١٨]. وقوله سبحانه: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة:٤٠].
والسؤال الآن: ما هو الأثر الإيماني المترتب على اعتقاد الإنسان أن لله ملك السموات والأرض وما فيهن؟ وكيف يكون ذلك مؤثراً على تكوين هذا الإنسان ليبني حضارته؟ ويتمثل الأثر الإيماني في التخلي عن كل ما سوى الله، وبترك الاعتماد والتوكل على غيره سبحانه وتعالى حيث تيقن الإنسان أنه لا أثر له في الكون، ولا ملك ولا شرك مع الله فيه، ويترتب على تخلي الإنسان عن كل ما سوى الله وعدم الاعتماد على أحد غير الله، وكذلك عدم الثقة إلا في الله ووعده، فهو وحده الذي يملك تنفيذ كل ما يعد لأنه لا مالك غيره ولا رب سواه - يترتب على ذلك عدم الخوف من أحد حيث لا ملك ولا قدرة له ولا أثر له، وما يظهر لنا في الظاهر أنه من قدرة مخلوق وتأثيره هو في الحقيقة فعل الله أظهره عليه لاستقامة قوانين الأسباب، ولابتلاء بعضنا ببعض.
هذه الحقيقة لابد أن تستقر في نفوسنا فلا يملك أحد شيئًا من عالم الخلق ولا عالم الأمر، وإن كان هناك مخلوق له من الأمر شيء لكان أعظم المخلوقات وسيد الكائنات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن الله سبحانه وتعالى أخبره بأنه لا يملك من الأمر شيئا، فقال تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) [آل عمران:١٢٨].
والوجه الآخر للأثر الإيماني المترتب على تيقن الإنسان أن لله ملك السموات والأرض وما فيهن، هو التعلق بالله وحده، واللجوء إليه، وقصده والفزع إليه في كل الحوائج، فإن القلب إذا تخلى عن كل شيء سوى الله لم يجد في قلبه إلا الله فلا يلجأ إلا إليه، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يثق إلا فيه سبحانه.
ما أعظم هذا الأثر الإيماني الذي يحقق التوحيد العملي لقلب المرء بجانبيه: جانب التخلي عن كل ما سوى الله، وجانب التحلي بالاعتماد على الله وحده، وهو تطبيق كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، فيشهد القلب أنه لا مؤثر في الكون، ولا معبود، ولا قادر في الكون إلا الله وحده، فيتخلى عن كل المخلوقات العاجزة التي ليست لها قدرة ذاتية على فعل أي شيء، ويتعلق بالله القادر وحده على فعل كل شيء.
ومن صفات إنسان الحضارة أنه لا يلتجئ إلى المخلوق، ولا يعيش في الترهات، ولا يتعلق بكل ناعق ومنافق، ثم يتيقن بعد ذلك أنه لصدق توجهه، وصحة اعتماده على الله يجازيه ربنا مغفرة ورضواناً، حيث يدخل في قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأحقاف:١٦].
كان، ولا يزال، بناء الإنسان محوراً من المحاور المهمة التي شغلت عقول المفكرين والعلماء بل الأدباء عبر العصور والأجيال المختلفة، فهذا الإنسان -إذا تم بناؤه بصورة صحيحة- هو القادر على تحقيق المعجزات وعبور جميع الأزمات والعقبات وبناء حضارة ممتدة وقوية تساهم في تطور البشرية وتعمير الأرض، وقد قدمت الحضارة الإسلامية نموذجاً فريداً لبناء هذا الإنسان، ومن مميزات ذلك النموذج أنه صالح لكل زمان أو مكان، وقابل للتطبيق على كل البشر باختلاف طبائعهم وبيئاتهم ومستوياتهم التعليمية ومراكزهم الاجتماعية، وهو ما يؤكد عالمية هذا الدين وأنه غير مقيد بزمن معين أو وطن محدد بل هو رسالة الله الخاتمة لهداية العالمين، ونحن في زمننا الحالي في أشد الحاجة لدراسة هذا النموذج واستيعابه بصورة عميقة تساهم في عمار مصرنا آخذين بيدها إلى مصاف الدول القائدة.
ومن السمات الأولى في بناء هذا الإنسان الصدق، والصدق ضد الكذب، وهناك كذب يأثم عليه العبد، وهو ما تعمد به تزييف الواقع، والإخبار بما يخالفه، وهناك كذب لغة ولا يأثم عليه العبد بأن يتكلم بكلام يخالف الواقع لكن دون تعمد، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب سعد»، عندما أخطأ وظن أن فتح مكة سيكون بإراقة الدماء.
ومن الكذب اللغوي الذي لا إثم فيه، وهو من باب قول الحسنى، أو مقتضيات حالات الحرب، أو غير ذلك، تلك الحالات من الإخبار بخلاف الواقع التي رخّص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم واستثناها، ومن ذلك ما ورد عن أم كلثوم، رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا» (رواه البخاري ومسلم)، وعنها أيضا : «لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها» (رواه مسلم).
أما ما عدا ذلك فقد أجمع المسلمون على حرمة الكذب حتى أصبح من المعلوم من الدين بالضرورة، وقد أمرنا ربنا في كتابه الكريم بالصدق، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩]، ومدح الصادقين، ووعدهم بالخير في الدنيا والآخرة، فقال في محكم كتابه عن جزائهم: (قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [المائدة:١١٩]، وإذا تقرر ما سبق علمنا أن الصدق نجاة وقوة، لأن الصادق لا يخشى من الإفصاح عما حدث بالفعل؛ لأنه متوكل على الله، والكذاب يخشى الناس، ويخشى نقص صورته أمام الناس، فهو بعيد عن الله، وقد قيل في منثور الحكم: «الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك».
وقال بعض الحكماء: «الخرس خير من الكذب، وصدق اللسان أول السعادة». وقيل: «الصادق مصون خليل، والكاذب مهان ذليل». وقد قيل أيضاً: «لا سيف كالحق، ولا عون كالصدق».
وإنما يكذب الكذاب لاجتلاب النفع واستدفاع الضر، فيرى أن الكذب أسلم وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغتراراً بالخدع، واستشفافا للطمع، وربما كان الكذب أبعد لما يؤمل وأقرب لما يخاف؛ لأن القبيح لا يكون حسنا والشر لا يصير خيرا. وليس يُجْنَى من الشوك العنب ولا من الكَرْم الحنظل.
والصدق يساعد على التفكير المستقيم، وأما غيره فيؤدي بنا إلى التفكير المعوج، والتفكير المعوج يؤدي بنا إلى الغثائية، ويؤدي بنا إلى عقلية الخرافة وإلى منهج الكذب الذي يعني مخالفة الواقع أو مخالفة الواقع والاعتقاد.
والتفكير المعوج يجعل الناس تعيش في أوهام، وإذا شاع هذا التفكير اختلت الأمور، وكان ذلك أكبر عائق أمام التنمية البشرية، وأمام الإبداع الإنساني، وأمام التقدم والأخذ بزمام الأمور، وأمام العلم، وأمام تحصيل القوة، وإذا كان كذلك فشلت كل محاولات الإصلاح وشاعت الغوغائية والعشوائية.
ومن أسباب الوقوع في الكذب وشيوعه أن يتكلم المرء بكل ما سمع، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم كذبا، حيث قال: «كفى بالمرء كذباً أن يُحدّث بكل ما سمع» (رواه مسلم). فنجد أقواما في عصرنا هذا يفترون على الناس، ويكذبون عليهم، وإذ بهؤلاء يشتدون في الكذب، حتى يحولوا كل ما يتخيلون -دون أي سماع لأي خبر موثق- إلى وهم يعيشون فيه يظنونه الحقيقة، فصدق عليهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» (البخاري).
والكذب فيه اعتراض على الله تعالى، فالكذاب يخالف الواقع بكلامه لعدم رضاه به، وهو يتمنى تلك الصورة التي يحكيها مخالفة له، وهذه نقطة مهمة، ولذا فمن رضي بالله وأمره وقَدَره لا تراه يكذب، لأنه لا يسخط على الواقع بل يحكيه كما هو، ويرضى بفعل الله في كونه، ويعلم أنه الملك الحق المبين فيرضى به حاكما، ويعترف بنفسه محكوما في هذا الكون.
ومن هنا كانت قيمة الصدق بأنواعه قيمة إسلامية قَيّمة يأمر بها الإسلام في حضارته وليس في دينه فقط، يأمر بها العاملين، لئلا يتصدروا قبل أن يتعلموا ويفسدوا في الأرض، وهم يريدون علواً فيها، فيهرفون بما لا يعرفون تأسيسا على عدم صدقهم.
إذن فالصدق منجاة ولو ظن الإنسان أن فيه هلاكه، والصدق بركة ولو ظن أن فيه خسارته، والصدق قوة ولو ظن أن فيه ضعفه، وهو ينشئ المسلم القادر على بناء الحضارة، والقادر على تعمير الكون، والقادر على عبادة ربه حق عبادته.
تُعد شخصية المفتي من حيث شروطه وآدابه هي المحطة الأخيرة في طريق التشريع الإسلامي، فللإفتاء مكانة عظيمة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى هذا المنصب في حياته، باعتبار التبليغ عن الله، وقد تولى هذه المكانة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أصحابه الكرام، ثم أهل العلم بعدهم، فالمفتي خليفة النبي صلى الله عليه وسلم، في أداء وظيفة البيان، وشَبَّه «القرافي» المفتي بالترجمان عن مراد الله تعالى، وهذه الدرجة العالية للإفتاء ينبغي ألا تدفع الناس للإقبال عليه، والإسراع في ادعاء القدرة عليه، سواء أكان ذلك بحسن نية وهي تحصيل الثواب والفضل، أم بسوء نية كالرياء والرغبة في التسلط والافتخار بين الناس، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» (أخرجه الدارمي في سننه).. وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها» (متفق عليه).
أما عن الشروط الواجب توافرها في شخصية من يتولى منصب الإفتاء فهي عديدة، أولها الإسلام، فلا تصح فتيا غير المسلمين للمسلمين. وثانيها العقل، فلا تصح فتيا المجنون. وثالثها البلوغ، وهو أن يبلغ من يفتي الحلم من الرجال، والمحيض من النساء، أو يبلغ ١٥ عاماً أيهما أقرب، لأنه لا تصح فتيا الصغير والصغيرة، والشرط الرابع هو العلم، فالإفتاء بغير علم حرام، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويتضمن إضلال الناس، وهو من الكبائر.
ويضاف إلى ما سبق شرط التخصص، وهو شرط نضيفه في هذا العصر، نظراً لطبيعته، ونعني به أن يكون من يتعرض للإفتاء قد درس الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة، وله دُربة في ممارسة المسائل وإلمام بالواقع المعيش، ويفضل أن يكون قد نال الدراسات العليا من جامعات معتمدة في ذلك التخصص، وإن كان هذا الشرط هو مقتضى شرط العلم والاجتهاد، فإن العلم بالفقه والاجتهاد فيه يقتضيان التخصص، ولكن طريقة الوصول إلى هذه الدرجة تحتاج ما ذكر، ولقد اعتبرت التخصص شرطاً منفصلاً رغم اندراجه في شرط العلم والاجتهاد لحسم حالة الفوضى التي تثار هنا وهناك ممن لم يتخصص في علم الفقه والأصول، ويعترض ويناظر على فتاوى ما درس مبادئها الفقهية ولا أصولها. (راجع «البحر المحيط» للزركشي، ج٨ ص٣٦٢).
وهناك شرط الاجتهاد، وهو بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة المعتبرة، وليس المقصود هو أن يبذل العالم جهداً ملاحظاً قبل كل فتوى، وإنما المقصود بلوغ مرتبة الاجتهاد. يضاف إلى ذلك شرط جودة القريحة: ومعنى ذلك أن يكون كثير الإصابة، صحيح الاستنباط، وهذا يحتاج إلى حسن التصور للمسائل، وبقدر ما يستطيع المجتهد أن يتخيل المسائل بقدر ما يعلو اجتهاده، ويفوق أقرانه، فهو يشبه ما يعرف في دراسات علم النفس بالتصور المبدع. والشرط الأخير هو الفطانة والتيقظ، فيشترط في المفتي أن يكون فطناً متيقظاً ومنتبهاً بعيداً عن الغفلة.
وهناك بعض الآداب التي يجب أن يتحلى بها المفتي مثل أن يراعي ألا يفتي حال انشغال قلبه بشدة غضب أو فرح أو جوع أو عطش أو إرهاق أو تغير خُلُق، أو كان في حال نعاس، أو مرض شديد، أو حر مزعج، أو برد مؤلم، أو مدافعة الأخبثين، ونحو ذلك من الحاجات التي تمنع صحة الفكر واستقامة الحُكم، كما عليه الحِفاظ على حسن منظره من نظافة وتطهر، ونقاء سريرته باستحضار النية الصالحة عند الفتيا.
إلا أن من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المفتي، والتي قد تصل إلى حد الشروط في أيامنا هذه، التيسير على الناس، وإدخالهم في دين الله، وإلقاء الستر عليهم، والعمل على جعل الناس متبعين لقول معتبر في الشرع، فذلك خير لهم من تركهم للدين بالكلية، وإيقاعهم في الفسق، مما يعد صداً عن سبيل الله من حيث لا يشعر العالم، إذن فالمقصد الأساسي الذي يسعى لتحقيقه المفتي هو إحداث آلية شرعية للتعامل مع التراث الفقهي الإسلامي، بحيث لا تخرج عنه ولا تكون عائقاً للمسلم المعاصر، وأن ذلك لا ينبغي الإنكار عليه لأن الرأي الذي سينتهي إليه محل خلاف، وأساس هذا قاعدة: من ابتلى بشيء مما اختُلِف فيه فليقلد من أجاز.
والتيسير الذي نقصده وتتبع الرخص بشروطه هو ما نقل تعريفه ابن أمير الحاج حيث قال: «أي أخذه من كل منها - أي المذاهب - ما هو الأهون فيما يقع من المسائل (ولا يمنع منه مانع شرعي)»، («التقرير والتحبير شرح التحرير»، لابن أمير الحاج، ج٣ ص٣٥١)، ونستخلص من ذلك أن تتبع الرخص جائز، ولكن بشروط وقيود لا ينبغي إهمالها، وهو مذهب أكثر العلماء، ومن أبرزهم العز بن عبد السلام، والقرافي، والعطار، وغيرهم من المحققين.
وجاء في ذلك المعنى نقول أخرى منها قول سفيان الثوري رحمه الله: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه» («حلية الأولياء» ج٦ ص٣٦٨). وقال الإمام أحمد بن حنبل: «لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ويشتد عليهم» («الآداب الشرعية» لابن مفلح ج١ ص١٦٦، و«غذاء الألباب» للسفاريني ج١ ص٢٢٣)، وقال الإمام الحنبلي ابن قدامة المقدسي: «وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام، مهد بهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة» («المغنى» لابن قدامة، ج١ ص١).
إن التيسير على الناس والترخص لهم لإدخالهم في الدين خير من التعسير عليهم وإلزامهم بالقول الشديد، لما في ذلك من مخالفة لمنهج النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وسبيل الصالحين من أسلافنا العلماء، ولما فيه أحياناً من صَـدٍ عن سبيل الله سبحانه وتعالى.. رزقنا الله الفهم والإخلاص.
معرفة مراحل صياغة الفتوى الأربع وهي: التصوير، والتكييف، وبيان الحكم، وإصدار الفتوى - ترتبط ارتباطاً وثيقاً ومنهجياً بقضية أخرى، وهي عوامل تغير الفتوى، فتختلف الفتوى باختلاف الجهات الأربع (الزمان والمكان والأشخاص والأحوال) ويختص ذلك فقط بالأحكام المبنية على الأعراف والعادات والأحكام الاجتهادية التي استنبطت بدليل القياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية، أما الأحكام التي لا تبنى على الأعراف والعادات، والأحكام الأساسية النصية بالأمر أو النهي، فإنها لا تتغير بتغير الأزمان، ولا بتغير الأماكن، ولا بتغير الناس، كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والجهاد والأمانة والصدق، وإباحة البيع والشراء، والرهن والإجارة، ووجوب الميراث وبيان أنصبتها، وغيرها من الأحكام المأمور بها، ومثل حرمة الزنى وشرب الخمر، وحرمة القمار والكذب وشهادة الزور والخيانة، وتحريم الفرار من المعركة، وتعاطي الكهانة وادعاء معرفة الغيب، وغيرها من الأحكام المنهي عنها.
قال ابن عابدين: «اعلم أن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتة بصريح اللفظ، وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي.. وكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً، للزم عنه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام»، (انظر رسائل ابن عابدين ٢/١٢٥).
وقال ابن القيم: «الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة والأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد مخالف لما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير فيها بحسب اقتضاء المصلحة» (إغاثة اللهفان١/٣٣١).
والأحكام القطعية الأصلية، سواء الأمر أو النهي -وهي التي لا تتبدل بتبدل الأعراف والعادات- يمكن أن تتغير أساليب تطبيقها ووسائل تحقيقها باختلاف الأزمان، فمثلا حماية الحقوق المكتسبة حكم قطعي كان يقوم به القاضي الفرد، أما في عصرنا هذا فقد تعددت درجات المحاكم من قاضي الصلح إلى محكمة ابتدائية أو محكمة الاستئناف أو محكمة النقض وغير ذلك، فتغير الأسلوب ولم يتغير الحكم الأصلي.
والمقصود بتغير الزمان تغير العادات والأحوال للناس في زمن عنه في زمن آخر، مهما اختلفت المؤثرات التي أدت إلى تغير الأعراف والعادات، وقد أُسند التغيير إلى الزمان مجازاً، فالزمن لا يتغير، وإنما الناس هم الذين يطرأ عليهم التغيير، والتغيير لا يشمل جوهر الإنسان في أصل جبلِّته وتكوينه، فالإنسان إنسان منذ خلق، لكن التغيير يتناول أفكاره وصفاته وعاداته وسلوكه، مما يؤدي إلى وجود عرف عام أو خاص، يترتب عليه تبديل الأحكام المبنية على الأعراف والعادات، والأحكام الاجتهادية التي استنبطت بدليل القياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية.
وإنما نُسب التغيير لتغير الزمان في كلام بعض أهل العلم، لأن الزمان هو الوعاء الذي تجرى فيه الأحداث والأفعال والأحوال، وهو الذي تتغير فيه العوائد والأعراف، فنسبة تغير الفتوى لتغير الزمان من هذا الباب، ويعبر عنه أيضا بفساد الزمان، ويُقصد بفساد الزمان فساد الناس وانحطاط أخلاقهم وفقدان الورع وضعف التقوى، مما يؤدى إلى تغيّر الأحكام تبعاً لهذا الفساد ومنعاً له، وقد أصبح انتشاره عرفاً اقتضى تغير الحكم لأجله.
أما عن تغير المكان، فيعود إلى اختلاف البيئة، حيث إن له أثراً مهماً في تغير الأحكام الشرعية، لأن الناس يأخذون بعض الخصائص من البيئة، وهذه الخصائص تؤثر في العادات والعرف والتعامل، لذلك تظهر عيوب القوانين بوضوح، بانتقالها من أمة إلى أخرى.
وقد طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك أن يكتب للناس كتابا يتجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر، فكتب الموطأ، وأراد المنصور أن يحمل الناس في الأقطار المختلفة على العمل بما فيه، فأبى الإمام مالك وقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فقد سبقت إلى الناس أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم، فعدل المنصور عن عزمه. وهكذا يقرر الإمام مالك ترك الناس في الأقطار المختلفة أحراراً في الأخذ بما سبق إليهم، أو اختيار ما يطمئنون إليه من أحكام ما دام هدف الجميع إقامة الحق والعدل، في ضوء كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم.
وهناك تأثر ليس من خصائص الناس، بل من خصائص البيئة، مثل الأحكام التي خرجت للاستفادة من ماء دجلة والفرات في العراق في المذهب الحنفي، وقد تتأثر البيئة بالعوامل الجوية كالمطر والقحط والحرارة والبرودة وغيرها، وهذا يؤثر في حياة الناس وأعرافهم وعاداتهم وتعاملهم، ونتيجة لهذا التغير تختلف الأحكام، مثل اختلاف أوقات العمل، على حسب درجة البرودة والحرارة أو الاختلافات الأخرى، مثل الحال في القطبين الشمالي والجنوبي، حيث تختلف أوقات الصلاة والصوم هناك، وأيضاً يختلف البلوغ عادة في الأقطار الحارة عن الأقطار الباردة، فالصبي في سن الرابعة عشرة في بلد ما يبلغ الحُلُم فيصير مكلفاً، ونظيره في بلد آخر لا يبلغ فلا يكون مكلفاً، فسقوط التكليف عن أحدهما وقيامه بالآخر ليس لاختلاف الخطاب الموجَّه إليهما، بل الخطاب واحد، لكن الاختلاف في متعلقه وهو وقوع التكليف على من عاش في بلد حار فظهرت عليه أمارات البلوغ، وعدم التكليف على من عاش في بلد آخر ولم تظهر عليه الأمارات نفسها.
هذا عرض موجز لتأثير بعض العوامل الأربعة على الفتوى الشرعية التي تتغير بتغيرها، وهو أمر منفصل عن المراحل الأربع لصياغة الفتوى، وعلى المفتي أن يراعي هذه العوامل قبل إصدار فتواه، رزقنا الله حسن الفهم وصدق القول والإخلاص في العمل.
اهتم علماء الإسلام بعملية الإفتاء اهتماماً عظيماً، وجعلوها في مكانة عالية لعظمة دورها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى هذا المنصب في حياته، باعتبار التبليغ عن الله، وقد تولى هذه الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام، ثم أهل العلم بعدهم، فالمفتى خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء وظيفة البيان، وشبّه «القرافي» المفتى بالترجمان عن مراد الله تعالى.
وعملية الإفتاء خطوة منفصلة من خطوات الاجتهاد، فبعد أن يحدد المجتهد الحجة، وهي القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم يوثقها بصورة لم تتكرر في حضارة من الحضارات البشرية، ثم يفهمها ويعيها بين مفهومي الإطلاق والنسبية، يأتي دور عملية الإفتاء، ولهذا فرّق العلماء بين الفقيه والمفتي، فالأول يستنبط أحكام الله تعالى من الأدلة التفصيلية، وتلك الأحكام تحقق مقاصد الشريعة الكلية، أما الآخر فهو يدرس الواقع ثم يلتفت إلى الفقه ليأخذ منه حكم الله تعالى في مثل هذه الواقعة بما يحقق مقاصد الشريعة.
وبناء على هذا التعريف، يتبين أن صناعة الإفتاء من العلوم المعقدة التي تحتاج إلى حرفية خاصة للقيام بها وإصدارها في صورة صحيحة، وتعد عملية صياغة الفتوى من أعقد العناصر في هذه الصناعة، حيث تمر الفتوى في ذهن المفتي بأربع مراحل أساسية، تخرج بعدها في صورتها التي يسمعها أو يراها المستفتي، وهذه المراحل الأربع هي: مرحلة التصوير، ومرحلة التكييف، ومرحلة بيان الحكم، ومرحلة الإصدار، وفيما يلي بيان لهذه المراحل:
المرحلة الأولى.. مرحلة التصوير:
وفيها يتم تصوير المسألة من قبل السائل الذي يريد أن يستفتى في واقعة نزلت به أو بغيره، والتصوير الصحيح المطابق للواقع شرط أساسي لصحة الفتوى ومطابقتها للواقع الفعلي المسؤول عنه، فعدم صحة التصوير يؤدي إلى أن الفتوى الصادرة ستكون لما فهم من السؤال وليس لما هو في الأمر نفسه، وعبء التصوير أساساً يقع على السائل، لكن المفتى ينبغي عليه أن يتحرى بواسطة السؤال عن الجهات الأربع التي تختلف الأحكام باختلافها، وكثيراً ما يتم الخلط والاختلاط من قبل السائل بشأنها، وهي: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، كما ينبغي على المفتي أيضاً أن يتأكد من تعلق السؤال بالأفراد أو بالأمة، لأن الفتوى تختلف باختلاف هذين الأمرين.
والتصوير قد يكون لواقعة فعلية وقد يكون الأمر مقدراً لم يقع بعد، وحينئذ لابد من مراعاة المآلات والعلاقات البينية، وبقدر ما عند المفتي من قدرة على التصوير بقدر ما تكون الفتوى أقرب لتحقيق المقاصد الشرعية وتحقيق المصلحة ودرء المفسدة.
وقد نص الغزالي في كتاب «حقيقة القولين» - كما أورده السيوطي في «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض» - على أن وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين في نفسه، بل الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها، ولو كلف بوضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث في كل واقعة عجز عنه، ولم يخطر بقلبه تلك الصور أصلاً، وإنما ذلك من شأن المجتهدين.
المرحلة الثانية.. مرحلة التكييف:
والتكييف هو إلحاق الصورة المسؤول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله، فنكيف المسألة مثلاً على أنها من باب المعاملات لا العبادات، وأنها من باب العقود، وأنها من قسم مسمى منها أو من العقود الجديدة غير المسماة، وهذه مرحلة تهيئ لبيان حكم الشرع الشريف في مثل هذه الواقعة، والتكييف من عمل المفتي، ويحتاج إلى نظر دقيق، لأن الخطأ فيه يترتب عليه الخطأ في الفتوى، والتكييف قد يختلف العلماء فيه، وهذا الاختلاف أحد أسباب اختلاف الفتوى، والترجيح بين المختلفين حينئذ يرجع إلى قوة دليل أي منهم، ويرجع إلى عمق فهم الواقع، ويرجع إلى تحقيق المقاصد والمصالح ورفع الحرج، وهي الأهداف العليا للشريعة.
المرحلة الثالثة.. مرحلة بيان الحكم:
والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، ويؤخذ هذا من الكتاب والسنة بالإجماع، ويتم إظهاره أيضاً بواسطة القياس والاستدلال، ويجب على المفتى أن يكون مدركاً للكتاب والسنة ومواطن الإجماع وكيفية القياس ودلالات الألفاظ العربية وترتيب الأدلة وطرق الاستنباط، وإدراك الواقع إدراكاً صحيحاً، ويتأتى هذا بتحصيله علوم الوسائل والمقاصد كالأصول واللغة والفقه والحديث ونحوها، وبتدريبه على الإفتاء الذي ينشئ لديه ملكة راسخة في النفس يكون قادراً بها على ذلك، وكذلك تحليه بالتقوى والورع والعمل على ما ينفع الناس.
المرحلة الرابعة.. إصدار الفتوى:
وهي ما تُسمى مرحلة التنزيل، أي إنزال هذا الحكم، الذي توصل إليه المفتي على الواقع، وحينئذ لابد عليه من التأكد أن هذا الذي سيفتي به لا يكر على المقاصد الشرعية بالبطلان، ولا يخالف نصاً مقطوعاً به ولا إجماعاً متفقاً عليه ولا قاعدة فقهية مستقرة، فإذا وجد شيئاً من هذا فعليه بمراجعة فتواه حتى تتوفر فيها تلك الشروط. هذه هي المراحل الأربع لصياغة الفتوى، وهذا عرض موجز لها لتبسيط مفهومها للقارئ، ويجب الإشارة إلى أن الاختلاف بين المجتهدين في صياغة الفتوى قد يقع في أي مرحلة من هذه المراحل، فقد يختلف المفتون في عملية التصوير، مما يترتب عليه اختلاف فتواهم في المسألة نفسها، وقد يقع الاختلاف عند التكييف أو بيان الحكم أو حتى في المرحلة الرابعة الخاصة بإصدار الفتوى، وكان في اختلافهم رحمة للمسلمين، بل إن هذا الاختلاف هو ما جعل التشريع الإسلامي إطاراً لحضارة عالمية لم تر البشرية لها مثيلاً، فهي حضارة باقية بقاء التاريخ ولديها من المنهجية والأسس المعرفية ما يؤهلها للريادة العالمية في كل زمان ومكان.
إن القرآن الكريم قد نزل بلغة العرب، ومادام هو نص يتعلق فهمه بإدراك اللغة، فدائما يكون له معنى أصلي، ويكون له معنى تابع، أما المعنى الأصلي فهو ذلك المعنى الذي يمكن أن يترجم من لغة إلى لغة أخرى، والذي يستفاد من دلالة الألفاظ في صورتها المعجمية، ومن تراكيب السياق، وما يتبادر منها إلى ذهن أهل تلك اللغة، مع مراعاة التطور الدلالي للألفاظ.
والمعنى الأصلي تعدده محصور، أما المعنى التابع فهو أكثر تعددًا وأكثر احتياجًا إلى الضوابط التي لا تجعله يميل إلى الرمزية، أو يوغل في الإغراب، ومن شروطه المهمة ألا يكر على المعنى الأصلي بالبطلان، بل يضيف إليه معنى جديدًا ينضم إليه ولا يلغيه، وقد يكون هذا هو الفارق المهم بين التصوف السني، الذي فهم معاني كثيرة من النصوص الشرعية، خاصة القرآن الكريم، ضمها إلى المعنى الأصلي الذي تمسك به، وبين الباطنية التي جعلت ذلك المعنى التابع قاضيا على المعنى الأصلي، بحيث صار هو الأصل، والمعنى الأصلي هو الحجاب للفهم، ولقد ألف الإمام الغزالي كتابه (فضائح الباطنية) من أجل الكشف عن هذا المعنى، والرد عليهم، وبيان فساد مذهبهم، لأن مزية القرآن أنه جاء خطابا للعالمين، فلا يمكن قبول نظرية التفسير الرمزي أو الباطني الذي يجعله مفهومًا عند بعض الناس، وغير مفهوم عند أكثرهم.
إلا أن اللغة قد اشتملت على ما سماه علماؤها فيما بعد «الحقيقة والمجاز»، أما الحقيقة فهو أن نستعمل اللفظ في معناه الذي وضعه واضع اللغة ابتداء، وواضع اللغة عند جماهير علماء المسلمين هو الله سبحانه وتعالى، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [البقرة:٣١]، والأسماء هنا هي ألفاظ وضعت بإزاء معان أو ذوات وأعيان معينة، وهذا هو حقيقة الوضع اللغوي، هو جعل اللفظ بإزاء المعنى، أما المجاز فهو استعمال ذلك اللفظ في معنى لم يوضع له، وتدل على ذلك المعنى قرينة، ولابد من وجود علاقة بين اللفظ وهذا المعنى.
ولقد عد علماء اللغة والبيان والشريعة هذه العلاقات التي يمكن أن تكون بين اللفظ ومعانيه الأخرى سوى معناه الحقيقي، فوجدوها أكثر من خمس وعشرين علاقة، منها: دلالة اللفظ على جزء معناه، أو دلالته على معنى أعم، أو دلالته على المحل أو على الحال، أو باعتبار ما سيكون، أو باعتبار ما كان، إلى آخر هذه العلاقات التي اهتم بها علماء البلاغة، واهتم بها أيضا علماء أصول الفقه، من أجل فهم صحيح، مؤسس على منهج علمي رصين للنص الشرعي، سواء أكان كتابًا أم سنة.
ولضبط التعامل مع المجاز في فهم كلام الله سبحانه وتعالى، أطلق علماء الإسلام قاعدة مهمة وهي (أن المجاز خلاف الأصل)، فالأصل في الكلام هو الحقيقة، ومعنى هذا أن أغلب الكلام إنما يكون على الحقيقة، وأن السامع يحمل الكلام المسموع ابتداء على الحقيقة، فالحقيقة هي التي تتبادر بالذهن أولا، ووضع علماء الأصول، في هذا المقام، قاعدة جليلة تشتمل على وظيفة اللغة من ناحية، وعلى ما مَنَّ الله علينا به من فائدة الكلام، وقالوا: الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما.
ففي هذه العبارة المختصرة قرار بثبات اللغة، التي كتبت بها النصوص، وفيها أيضا إقرار الحرية للمتكلم في استعمال كلامه، لما يريد أن يعبر عنه، وأن ينقله للآخرين، وفيها أيضا إشارة إلى وظيفة التلقي التي يقوم بها السامع، والتي يتاح له فيها أن يحمل الكلام على ما يمكن أن يحتمله، وشرح هذه العبارة له تعلق قوي بقضية النسبي والمطلق، وله تعلق كذلك بصلاح القرآن لكل زمان ومكان، وبالاحتياج القوى لأدوات منهجية في تفسير القرآن لا تؤدي إلى إنكار نسبية الواقع، والإغراق في الإطلاق، ولا تؤدي كذلك إلى انفراط التفسير بحيث لا يبقى للدين هوية، ويقول فيه كل من شاء ما شاء، لأن هذا ضد أصل المعتقد، وأصل الواقع، من لزوم بقاء المطلق والنسبي أثناء إدراكنا للنص وإدراكنا للواقع، والوصل بينهما.
ولقد قررنا، في مرات كثيرة، أن هناك معنى صالحاً في إطلاقهم كتاب الله المسطور على القرآن، وكتاب الله المنظور على الكون، وأشرنا إلى التطابق بينهما، وهو يعني أنهما قد صدرا من الله، القرآن صدر من عالم الأمر، والكون صدر من عالم الخلق، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: (أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) [الأعراف:٥٤].
وفى السياق نفسه تأتى قضية «القراءتان»، وهو أن هناك قراءة للقرآن، وقراءة للأكوان، تشير إليهما آيات صورة العلق، وهي أول ما نزل، حيث كرر الله فيها الأمر بالقراءة، وعلق الأولى على الخلق والثانية على الوحي.
فقال تعالى: (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) [العلق:١-4]، والقلم إشارة إلى الوحي، كقوله سبحانه: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) [القلم:١] ونرى هنا أنه بدأ بالخلق وثَنَّى بالوحي، وكأن الإنسان لابد عليه أن يطالع العالم وما حوله ليكون قادرًا على فهم الوحي، وكذلك لابد عليه من إدراك الوحي إدراكًا صحيحًا من أجل أن يغير واقعه نحو التغيير الصحيح، ولذلك نرى أن الخلق والأمر يتكاملان في دائرة واحدة يصح أن نبدأ من أي نقطة منها فنصل إلى تمامها، وفي قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ) [الرحمن:١-٣] إشارة إلى تلك العلاقة الدائرية، والتي بها يسعى المجتهد إلى فهم مراد الله تعالى، فإذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر، والله تعالى أعلى وأعلم.
الرحلة الفكرية في ذهن المجتهد تتكون من عشر مراحل متعاقبة، فتبدأ بسؤاله عن الحجة، وأجمع جمهور العلماء على أنها القرآن والسنة، ثم يسأل عن توثيق هذه الحجة، وقد أنشأ المسلمون علوماً شتى لتوثيق القرآن والسنة والتأكد من نقلهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بصورة دقيقة مذهلة لم تحدث من قبل في أمة من الأمم من لدن آدم حتى عصرنا الحاضر، ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي كيفية فهم هذه الحجة، فيسأل المجتهد نفسه كيف نفهم ما قد ورد إلينا موثقا، بالطريقة التي تطمئن إليها قلوبنا؟
ومفتاح الإجابة عن هذا السؤال هو اللغة العربية، فمن خلال فهم هذه اللغة يمكننا أن نقرأ كتاب الله تعالى قراءة صحيحة، فهي مفتاح الكنز، وهي الأداة التي نبلغ بها فهم المراد، فهو قرآن عربي مبين، والقدح في أداته -اللغة العربية- هو قدح لا يخرج عن كونه قدحاً في القرآن، فبها أُنزل وبها يُقرأ.
ولقد كانت الأمة أمة أمية يحفظون ما يسمعون، ويضبطون، ولا يكتبون، فقرأوا، وكتبوا وأشهدوا بتوفيق الله. فالوحي (القرآن) نزل بلسان عربي مبين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
والذي بيننا وبينهم الوحي الذي أنزله الله من السماء على قلب رسوله المصطفى ونبيه المجتبى صلى الله عليه وسلم (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) [غافر:15].. والذي بيننا وبينهم هذا الكتاب الذي آمنا به وجعلوه وراءهم ظهريا، والذي بيننا وبينهم ما يوصل إلى فَهم هذا الوحي الشريف، وإلى الامتثال بأوامره ونواهيه، وإلى طلب الهداية منه.
يقـول ربنا سبحانه وتعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ) [يوسف:1-3]، والقدح في اللغة العربية الذي نراه في الكتُب الرخيصة، وفي بعض المجلات السيارة وفي المؤتمرات المشبوهة وفي الاجتماعات الخائبة، هو في واقعه قدح في الأداة التي نفهم بها القرآن، الذي هو تصديق لما بين يديـه من الكتب السابقة، والذي سوف يكون تفصيل كل شيء يهم الإنسان في حياته وسعيه إلى الله، في حياته ومماته وحقيقة الكون.
ويتساءل أقوام لِمَ اختار الله العربية؟!! فلا يعلم هؤلاء مدى عظمة اللغة العربية، وأنها لغة فيها من المميزات ما لا يوجد في لغةٍ سواها، لا تستطيع لغة أن تبقى على هذه المرونة والسعة إلى يوم الدين، بدلالات ألفاظها وبمواطن الكلمات في الجملة المفيدة، سوى العربية، ونكتشف هذا عندما نريد أن ننقل معاني القرآن الكريم إلى لغةٍ أخرى من لغات البشر. فترجمت تلك المعاني إلى أكثر من مائة وثلاثين لغة، كل هذه الترجمات عبر العصور من المؤمنين ومن غيرهم لم توفِّ القرآن حقه، ولم تنقل إلا وجهة نظر الكاتب والمترجم، لسعة العربية، ودقة معناها، وجمال جرسها، ولمردود الكلمة العربية على ذهن السامع الذي يعرف اللغة وهو مردود آخر غير كل لغات العالم، فما ظنك والقرآن كلام الله رب العالمين.
ومن عجائب القرآن أن حفظه العربي والأعجمي حتى الذي لا يعرف العربية، وحفظه الكبير والصغير، وليس هناك كتاب على مر التاريخ وإلى الآن كهذا الكتاب، ومن عجائبه أيضا أن أحدا لم يحفظ ترجمة معانيه إلى أي لغة كانت، فلم نر من يحفظه بالإنجليزية أو اليابانية، فهل بعد ذلك من إعجاز عجيب.
قرآنٌ مجيد ولفظه عربي مبين.. وفيه سر عجيب يهدي إلى الرشد.. لا يزال غضا طريّا كأنما أنزل الآن.. إنه الوحي.. إنه كلام الله رب العالمين.. (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) [فصلت:44]. إنه الحجة! والعربية مفتاحُ فهم هذه الحجة.
لمـا نـزل قولـه جـل في عـلاه: (حم * تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ) [غافر:1-3]، سمعه الوليد -ابن المغيرة- يقرؤها فقال: والله لقد سمعت منه كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإن له لحَلاوة، وإن عليه لطَلاوة، وإن أعلاه لمُثمِر، وإن أسفله لمغِدق، وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه، وما يقول هذا بشر. فقالت قريش: صَبَا الوليدُ لتَصبُوَنّ قريش كلها..!
ولهذا السر وذلك الإعجاز المحفوف بالجمال والجلال والكمال وجب علينا أن نُعَلِّم أنفسنا وأولادنا العربية، إذ هي الملاذ لفهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وليس بخافٍ على كل متأمل واعٍ أن كثيراً من اللغط في عصرنا الحاضر إنما نتج بسبب بعدنا عن هذه اللغة وإهمالنا لها، ولنتمعن في قول شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته الرائعة عن اللغة العربية حكاية على لسانها:
|
وَسِعْتُ كِتَابَ الله لَفْظَاً وغَـايَةً |
* |
وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بهِ وَعِـظِاتِ |
|
أنا البحرُ في أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ |
* |
فَهَلْ سَاءلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَـاتي |
أكدت الدكتورة نشوى أيوب رئيس قطاع التعليم بمؤسسة مصر الخير أن إنشاء مدرسة كروسكو الابتدائية المشتركة بنصر النوبة يأتى ضمن 100 مدرسة تقوم مصر الخير بإنشائها على مستوى الجمهورية تم إنشاء 12 مدرسة منها، لافتة إلى أن ذلك يأتى فى إطار توجيهات الدكتور على جمعة رئيس مجلس أمناء مصر الخير فى خدمة المجتمع المحلى، خاصة للنهوض بالعملية التعليمية داخل مختلف مدارس الجمهورية، التى تستهدف القرى والمناطق النائية والمحرومة بما يعود بالنفع على كافة أبناء المجتمع المصرى. تجدر الإشارة إلى أن مدرسة كروسكو الابتدائية المشتركة بمركز نصر النوبة، التى تحملت تكاليف إنشائها مؤسسة مصر الخير بإجمالى 2 مليون جنيه، تقام على مساحة 2200 م2 ومكونة من دورين تضم 6 فصول ابتدائى وفصلين "رياض أطفال"، بجانب معمل للعلوم والحاسب الآلى وتكنولوجيا المعلومات ومكتبة.