لم يعرف المسلمون في تاريخهم قضية اسمها «قضية المرأة» لا من ناحية عملها ولا من ناحية مشاركتها السياسية ولا من أي ناحية، سواء أكان ذلك في شدة مجد الأمة الإسلامية، أم في أزمنة ضعفها.
وبالنسبة للقانون المصري - مثالاً لقانون إحدى الدول الإسلامية - تُعتبر الحقوق السياسية فيه هي تلك الحقوق التي يقرها القانون، ويعترف بها للشخص على أساس الانتماء الوطني. ويربط المشرع غالباً بين التمتع بهذه الحقوق، وشرط الجنسية، بمعنى أن هذه الحقوق لا تُقَرَّر إلا للوطني دون الأجنبي.
ومثال ذلك المادة الأولى من قانون مباشرة الحقوق السياسية في مصر رقم 73 لسنة 1957، التي تنص على أن «كل مصري وكل مصرية بلغ ثماني عشرة سنة ميلادية يباشر بنفسه الحقوق السياسية»، كما تنص المادة الخامسة من قانون مجلس الشعب رقم 38 لسنة 1972 المعدلة بالقانون رقم 109 لسنة 1976 والمادة 75 من قانون الحكم المحلى 43 لسنة 1979، والمادة السادسة من قانون مجلس الشورى رقم 120 لسنة 1980 على أنه «يشترط للترشيح أو للتعيين في هذه المجالس أن يكون الشخص متمتعاً بالجنسية المصرية»، كما ينص الدستور الحالي في مادته الخامسة والسبعين على أنه «يشترط فيمن ينتخب رئيساً للجمهورية أن تكون جنسية والديه مصرية».
ويمكن إجمال مظاهر الحقوق السياسية للمجتمع المسلم عامة فيما يلي:
1- اختيار الحاكم والرضا به، وهو ما كان يعبر عنه في التراث الفقهي بـ«البيعة».
2- المشاركة العامة في القضايا التي تخص عامة الأمة، وهو مبدأ الشورى الذي حث عليه الإسلام.
3- تولي المناصب المهمة في الحكومة أو مؤسسات الدولة.
4- نصح الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
ولم يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة في كل هذه الحقوق المذكورة، ويمكن أن نبين ذلك على وجه التفصيل فنقول:
أولا: اختيار الحاكم والرضا به وهو ما كان يعبر عنه في التراث الفقهي بـ«البيعة»:
ذكر الله البيعة عامة دون تخصيص الرجال أو النساء في أكثر من موضع فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [الفتح: 10]، كما ذكر الله أمر النساء في البيعة فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُور رَّحِيمٌ) [الممتحنة: 12]، فأثبت القرآن الكريم حق المرأة في مبايعة الحكم كالرجال تماماً، واعتبار صوتها كصوت الرجل دون تمييز بينهما.
ثانيا: المشاركة العامة في القضايا التي تخص عامة الأمة، وهو مبدأ الشورى:
حث الإسلام على مبدأ الشورى بين الحاكم والرعية، ولم يفرق بين الرجل والمرأة في ذلك، وقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم زوجته أم سلمة رضي الله عنها في موقف عصيب، في صلح الحديبية، بعدما كتب معاهدة الصلح مع المشركين. وفي عصرنا الحديث لم يعترض علماء الإسلام على ترشيح المرأة في المجالس النيابية، وتمثيل فئة عريضة من الشعب والمشاركة في سن القوانين التنظيمية، ولقد أصدرت دار الإفتاء المصرية الفتوى رقم 852 لسنة 1997 عن حكم جواز أن تكون المرأة عضواً بمجلس النواب أو الشعب خلصت فيها إلى أنه: «لا مانع شرعاً من أن تكون المرأة عضواً بالمجالس النيابية والشعبية إذا رضي الناس أن تكون نائبة عنهم تمثلهم في تلك المجالس، وتكون مواصفات هذه المجالس تتفق وطبيعتها التي ميزها الله بها، وأن تكون فيها ملتزمة بحدود الله وشرعه، كما بين الله وأمر في شريعة الإسلام».
ثالثا: تولى المناصب المهمة في الحكومة ومؤسسات الدولة:
جاءت آثار عدة في تولي المرأة السلطة التنفيذية، أو الشرطة، أو ما تسمى في التراث الفقهي الإسلامي «الحسبة»، وكان ذلك في القرن الأول، وباعتبار هذه الآثار أجاز بعض علماء المسلمين تولي المرأة هذا المنصب القيادي الحساس في الدولة الإسلامية، حيث جاء في الموسوعة الفقهية (17/241) ما نصه: «وأجاز توليتها آخرون لما ثبت من أن سمراء بنت نهيك الأسدية كانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس عن ذلك بسوط معها».
وفى عصرنا هذا تشارك المرأة الرجل - في أغلب الدول الإسلامية والعربية- في جميع وظائف الدولة والحياة السياسية والعلمية، فالمرأة سفيرة ووزيرة وأستاذة جامعية وقاضية منذ سنوات عديدة، وهي تتساوى مع الرجل من ناحية الأجر والمسمى الوظيفي لكل تلك الوظائف.
رابعاً: نصح الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
بدأ نصح النساء لولي الأمر وقول الحق عنده مبكراً، ففي القرن الأول - وهو من القرون الخيرة - وتحديداً في خلافة عمر رضي الله عنه يروي لنا قتادة شيئاً من ذلك فيقول: «خرج عمر من المسجد ومعه الجارود العبدي، فإذا بامرأة برزت على ظهر، فسلم عليها عمر فردت عليه السلام، وقالت: هيهات يا عمر عهدتك وأنت تسمى عُمَيْراً في سوق عكاظ ترعى الضأن بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سُميتَ عمر ثم لم تذهب الأيام حتى سُميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي عليه الفوت» (انظر: «الإصابة» لابن حجر).
لعلنا في تلك العناصر الأربعة نكون قد أوضحنا في إيجاز غير مخل حقوق المرأة السياسية وأنها متساوية مع الرجل فيها، والله ولي التوفيق.


