كان سيدنا عمر رضي الله عنه أيسر أعسر, فكان يكتب بشماله وبيمينه, وكان يتناول بيمينه وبشماله علي حد سواء, يحمل الشيء بيمينه كما يحمله بشماله.. فالأعسر الأيسر موجود في الصحابة, وإن شاء الله نلحق بهم.. بالنسبة إلي الأكل بالشوكة والسكينة فإنني حتى أستطيع أن أتمكن فإنني أمسك السكينة باليمين, والشوكة باليسار فأنا أستعمل يدي الاثنتين, وإذا استعملت يدي الاثنتين فيجوز أن آكل بالشوكة في شمالي, والسكين في يميني, لحديث أخرجه الإمام أحمد أن النبي ﷺ كان يأكل بيمينه ويساره, في يده اليمني قثاء وفي يده اليسرى بطيخ, يكسر حر هذا ببرد هذا[1], هذا مقام سيدنا رسول الله ﷺ, يأخذ البطيخ ثم يأخذ القثاء.. القثاء صلبة وبها حر بعض الشيء, فيأخذ عليها بعض البطيخ.. فواحدة من هنا وأخري من هناك, فها هو يأكل بالشمال.. لماذا يأكل بالشمال؟ لأنه يستعمل يديه الاثنتين.. لكن عندما نأتي ونستعمل يدا واحدة نأكل باليمين, نمسك الشوكة باليمين.. وحتى في" الإيتيكيت" العالمي الآن, بعد دخول" الإتيكيت" الأمريكي, الذي غطي علي" اتيكيت" المائدة الإنجليزي والفرنساوي, أصبح الأكل باليمين.. ثم إن الله عز وجل يقول:{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}[2] فمن لا يستطيع أن يستخدم يده اليمني فلا حرج أن يستخدم اليسرى, فالتيامن سنة وليس فرضا, أما الذي يتكبر, ويأكل بالشمال وهو يستطيع أن يأكل باليمني,فهذا هو الذي يأكل معه الشيطان, فالمنهي عنه هو الكبر في الأكل, فالأكل بالشمال نوع من أنواع التكبر في الأكل, أنا أتذكر أنه من علامات الكبر مثلا يضع السيجارة بين أصبعيه الخنصر والبنصر, بغض النظر عن أن الدخان حراما, لكني أريد أن أقول: إن هناك وسيلة في الأكل أو الشراب يبدو فيها التكبير.. النبي ﷺ نهي شخصا يتكبر, وأمره أن يأكل بيمينه, فقال: لا أستطيع أن أفعل إلا هكذا[3], فالرد كان سخيفا منه, فهذا يأكل معه الشيطان من أجل الكبر وليس من أجل" الإتيكيت" الخارجي هذا.. فـ" الإتيكيت" الخارجي هذا ما زال في نطاق الأدب والسنة, ولهذا فليست هناك معصية إذا لم تكن هناك قدرة, وليست هناك معصية إذا استعملت يدي الاثنتين.
وإذا أردت الثواب و"الإتيكيت" المعتبر في هذا فعلي باستعمال اليمين استقلالا.. وعلي الإنسان أن يحاول, فإذا فشل في المحاولة فلا شيء عليه, ولا شيء عليه إذا نسي, لأن الرسول ﷺ قال للغلام وهو يعلمه: " يا غلام, سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك"[4] وكلها آداب. فلو نسي أحدنا البسملة فهو قد ترك آدابا, وليس معناه أنه قد وقع في معصية.. ولو لم يأكل بيمينه, ولو لم يأكل مما يليه.. فكل هذه آداب أراد رسول الله ﷺ أن يبين لنا أنه ينبغي لنا أن نهتم بـ" الإتيكيت" والآداب التي نسميها نحن الآن( آداب اللياقة).
[1] في مسند أحمد حديث رقم 1658 عن عبد الله بن جعفر قال: " إن أخر ما رأيت رسول الله ﷺ في إحدى يديه رطبات وفي الأخرى قثاء وهو يأكل من هذه وبعض من هذه.
[2] من الآية 286 من سورة البقرة.
[3] أخرجه مسلم وأحمد, ولفظ مسلم: أن رجل أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال:" كل بيمينك" قال لا أستطيع. فقال: " لا استطعت". ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها إلي فيه.
[4] متفق عليه.


