طباعة
الثلاثاء, 09 آب/أغسطس 2016 22:04

في زيارة سيدنا رسول اللّه ﷺ وأذكارها

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

اعلم أنه ينبغي لكل من حجّ أن يتوجه إلىٰ زيارة رسول اللّه ﷺ ، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإن زيارته ﷺ من أهمّ القربات، وأربح المساعي، أخرج أبو داود وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ت عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلاَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّىٰ أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ»([1]). وأفضل الطلبات.

فإذا توجَّه للزيارة أكثرَ من الصلاة عليه ﷺ في طريقه، فإذا وقعَ بصرُه علىٰ أشجار المدينة وحَرمِها وما يَعرفُ بها زاد من الصلاة والتسليم عليه ﷺ وسألَ اللّه تعالىٰ أن ينفعَه بزيارته ﷺ ، وأن يُسعدَه بها في الدارين.

وليقلْ: (اللَّهُمَّ افْتَحْ عَليَّ أبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَارْزُقْنِي في زِيارَةِ قَبْرِ نَبِيِّكَ ﷺ ما رزقْتَهُ أوْلِياءَكَ وأهْلَ طَاعَتِكَ، واغْفِرْ لي وارْحمنِي يا خَيْرَ مَسْؤُول).

وإذا أراد دخول المسجد استحبّ أن يقولَ ما يقوله عند دخول باقي المساجد، فإذا صلّىٰ تحية المسجد أتىٰ القبر الكريم فاستقبله واستدبر القبلة علىٰ نحو أربع أذرع من جدار القبر، وسلَّم مقتصداً، لا يرفع صوته، ويقول: «السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللّه! السَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيرَةَ اللّه مِنْ خَلْقِهِ! السَّلامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ! السَّلامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ! السَّلامُ عَلَيْكَ وَعلىٰ آلِكَ، وأصْحابِكَ، وأهْلِ بَيْتِكَ، وَعَلىٰ النَّبيِّينَ وَسائِرِ الصَّالِحِينَ؛ أشْهَدُ أنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ، وأدَّيْتَ الأمانَةَ، وَنَصَحْتَ الأُمَّةَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أفْضَلَ مَا جَزَىٰ رَسُولاً عَنْ أُمَّتِهِ». (قال الحافظ: لم أجده مأثوراً بهذا التمام، وقد ورد عن ابن عمر بعضه، أنه كان يقف علىٰ قبر رسول اللّه ﷺ ويقول: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا عُمَر، وهو موقوف صحيح. وعن مالك / يقول: السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته. وهذا الوارد عن ابن عمر وغيره، مال إليه الطبري فقال: وإن قال الزائر ما تقدم من التطويل فلا بأس به؛ إلا أن الاتباع أولىٰ من الابتداع ولو حَسُنَ.

وإن كان قد أوصاه أحدٌ بالسَّلام علىٰ رسول اللّه ﷺ قال: (السَّلام عليك يا رسولَ اللّه من فلان بن فلان!).

ثم يتأخرَ قدر ذراع إلىٰ جهة يمينه فيُسلِّم علىٰ أبي بكر رضى الله عنه، ثم يتأخرُ ذراعاً آخرَ للسلام علىٰ عُمر ت، ثم يرجعُ إلىٰ موقفه الأوّل قُبالة وجهِ رسول اللّه ﷺ فيتوسلُ به في حقّ نفسه، ويتشفعُ به إلىٰ ربه سبحانه وتعالىٰ، ويدعو لنفسه ولوالديه، وأصحابه وأحبابه، ومَن أحسنَ إليه وسائر المسلمين، وأن يَجتهدَ في إكثار الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف، ويحمد اللّه تعالىٰ، ويُسبِّحه ويكبِّره ويُهلِّله، ويُصلِّي علىٰ رسول اللّه ﷺ ويُكثر من كل ذلك.

ثم يأتي الروضةَ بين القبر والمنبر، فيُكثر من الدعاء فيها، فقد روىٰ البخاري ومسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ت عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».

وإذا أراد الخروج من المدينة والسفرَ استحبّ أن يُودِّع المسجد بركعتين، ويدعو بما أحبّ، ثم يأتي القبر فيُسلّم كما سلَّم أوّلاً، ويُعيد الدعاء، ويُودّع النبيّ ﷺ ويقول: «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ العَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولِكَ، وَيَسِّرْ لي العَوْدَ إِلىٰ الحَرَمَيْنِ سَبِيلاً سَهْلَةً بِمَنِّكَ وَفَضْلِكَ، وَارْزقْنِي العَفْوَ والعَافِيةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَرُدَّنا سالِمِينَ غانِمِينَ إلىٰ أوْطانِنا آمِنِينَ».

وعن العُتْبيّ قال: كنتُ جالساً عند قبر النبيّ ﷺ ، فجاء أعرابيٌّ فقال: السلام عليك يا رسول اللّه! سمعتُ اللّه تعالىٰ يقول:

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾([2]) وقد جئتُك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلىٰ ربي، ثم أنشأ يقول:

يا خيرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالقاعِ أَعْظُمُهُ

*

فطَابَ مِن طِيبِهِنَّ القاع وَالأَكمُ

نَفْسِي الفِدَاءُ لقبرٍ أَنتَ سَاكِنُهُ

*

فِيهِ العَفافُ وفيهِ الجودُ والكَرَمُ

قال: ثم انصرفَ، فحملتني عيناي فرأيت النبيَّ ﷺ في النوم فقال لي: يا عُتْبيّ، الْحَقِ الأعرابيَّ فبشِّره بأن اللّه تعالىٰ قد غفر له([3]).

_______________________________________________________

([1])    رواه أحمد في المسند: (2/527)، وأبو داود في السنن: (2/218)، والبيهقي في السنن الكبرىٰ: (5/245)، قال الإمام النووي في رياض الصالحين: رواه أبو داود بإسناد صحيح، وقال عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (6/488): رواته ثقات، وقال الوادياشي في تحفة المحتاج: (2/190): رواه أبو داود بإسناد على شرط الصحيح.

([2])    سورة النساء، الآية: [64].

([3])    هذه القصة ذكرها الأئمة الكبار واحتجوا بها علىٰ المجيء إلى المصطفىٰ × في قبره الشريف بعد وفاته، منهم الحافظ ابن كثير في تفسيره، ومنهم الإمام الشيخ أبو حيان الأندلسي في تفسيره المسمىٰ بالبحر المحيط، ومنهم الإمام النووي في كتاب الأذكار، ومنهم الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني، والعلامة المتقي الهندي في كنز العمال وغيرهم كثير، والحجة في إقرار هؤلاء الأئمة الأكابر الذين هم حماة الدين، وحفاظ الشريعة رضي الله عنهم.

عدد الزيارات 3836 مرة