طباعة

الفوضى ، والفوضى الخلاقة 2-2

1- يقول (تشوك بالاهنيوك) وهو كاتب روائي ساخر أمريكي الجنسية مولود عام 1961 : (إن ما نطلق عليه مصطلح الفوضى هو في واقع الأمر نظام جديد لم نألفه، وما نطلق عليه مصطلح العشوائية هو أيضا نظام آخر لم ننجح في فك شفراته، ومن ثم فما لا نفهمه نطلق عليه لغواً ولما لا نستطيع قراءته نسميه ثرثرة، وخلاصة الأمر أنه لا توجد إرادة حرة ولا يوجد تنوع بل يوجد فقط الأمر الحتمي. ويقول كيري ثورنلي مؤسس ديانة الفوضى (1938-1998) : ما نتخيله نظاماً ما هو إلا نوع سائد من الفوضى.

وسبب هذا التناقض هو عدم الاهتمام بالتوحيد والاعتراف بأن العالم مخلوق وهو ما يحدث منذ مئات السنين بل آلافها. هل النسبة إلهية أو طبيعية ؟ وهل ما نراه من حولنا فوضى أو تنوع ؟.

وعلى كل حال فإن كلمة فوضى لها دلالة سلبية من معنى الضياع والارتباك والتصادم، ولذا نرى بعضهم يحاول أن يفرق بين كلمة فوضى والتي تعني عنده شيئاً من الحرية والانطلاق وبين هذه المعاني إلا أن المصطلحات ومردود الكلمة على ذهن السامع لها له أهمية كبيرة حتى في تبني الأفكار والمذاهب، فلا يمكن عزل هذا المفهوم من الضياع والارتباك عن كلمة فوضى.

2- ويرى الأب ديف فليمنج Deve Fleming (رجل دين يعمل بكنيسة المجتمع المسيحي بمدينة بتيسبرج ببنسلفانيا في مقاله اكتشف خمسة أفكار رئيسية لجلب الفاعلية والصحة إلى وزارتك) يرى عكس هذا حيث يقول : (وهذا أمر خاطئ تماماً فهناك فرق شاسع بين الفوضى والارتباك) وطالب الأب فليمنج القارئ أن يتخلص من هذه الأفكار السلبية وأن يجدد علاقته سواء كان حاكماً أو محكوماً مع كلمة الفوضى وأضاف (إن الإنجيل يؤكد لنا أن الكون خلق من فوضى وأن الرب قد اختار الفوضى ليخلق منها الكون، وعلى الرغم من عدم معرفتنا لكيفية هذا الأمر إلا أننا متيقنين أن الفوضى كانت خطوة مهمة في عملية الخلق. وأضاف أن المشكلة الحقيقية ليست في الفوضى ذاتها ولكن في رد فعل الحكام والحكومات لها وهو الأمر الذي يؤدي على ما نراه من نتائج سلبية)، وأكد أن القضاء على الفوضى لن يؤدي أبدا إلى الاستقرار والذي ينبع فقط من الإبداع الذي ينبثق بدوره من الفوضى. وإذا استخدمنا هذه الكلمة لنعلق عليها مخاوفنا وفشلنا فيجب أن نكون على درجة من الشجاعة لمواجهة هذا الأمر. واختتم كلامه مؤكداً أن السيطرة والنظام هما العدو الأول للإبداع الإنساني وعليه فإن حكام العصر الحالي سيكتشفون سريعا أن الفوضى هي السلاح الفعال لتحقيق الاستقرار الأبدي لمجتمعاتهم.

3- ونرى هذا التشويش الذي يخلط بين الحق والباطل وبين الحقائق والأوهام في كلام كل من جودي نيل (Judi Neal) (الحاصلة على الدكتوراه من جامعة يال Yale في علم السلوك المؤسسي وتشغل حاليا رئيس مركز التحفيز على العمل بجامهة نيوهافن New Haven) وبوران بيريز (Puran Perez) في مقدمة كتابهما (كيفية التكيف مع الفوضى) (How to Cope with Chaos) حيث جاء فيها ما نصه : (إن جميع الدلائل تشير إلى وجود نظام خفي في البيئات العشوائية والذي يعتمد في جوهره على قوانين الطبيعة) وأضافا : (إن الفوضى والعشوائية هما في الأصل ظواهر طبيعية وأحد مراحل عملية التطوير في التاريخ الإنساني، وأن التحول الفردي والمؤسسي لا يمكن أن يتم إلا من خلال هذه الفوضى والتي في العادة ما تفرز العديد من النظم الجديدة والمعاني المبتكرة.) ولهذا أكدا على أهمية فهم الميكانيكية الخفية لهذه البيئات واحتمالاتها المختلفة والتي ستؤول إلى اكتسابنا المقدرة على ركوب موجة التطور والنمو على المستويين الفردي والمؤسسي. وقد خصصا بقية الكتاب في عرض المبادئ العامة لنظرية الفوضى وكيفية التعامل معها في الحياة الواقعية.

ويبين لنا هذا الأزمة الفكرية التي تمر الأمة الإسلامية بها، فلا هي فكرت وعبرت عن أفكارها بالمصطلحات الصحيحة، ولا هي قرأت واختارت وشاركت مع البشر فيما يجري حولنا جميعاً من آراء وأفكار ويذكرني ذلك بمؤلف أبي الحسن الندوي رحمه الله تعالى (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين).

4- كما أكد مارتن كروزرز Martyn Carruthers  (مؤسس مذهب جديد في العلاج النفسي المعرف باسم Soulwork) وذلك من خلال موقعه الإلكتروني على شبكة الإنترنت وعنوانه www. Soulwork.net حيث يقول تحت عنوان الفوضى والتدريب والعلاج : (إن الفوضى إحدى العوامل المهمة في التدريب والعلاج النفسي، فعند الوصول بالنفس إلى حافة الفوضى وعندها يفقد الإنسان جميع ضوابطه وقوانينه، من الممكن أن تحدث حينذاك المعجزات. ولكن انتظار المعجزات دون فعل شيء لن يقودنا إلى شيء، فالتخلص من القوانين القديمة قادر على إعطاء الإنسان فرصة لمعرفة الحياة من منظور جديد، ومن ثم يصبح قادراً على خلق هوية جديدة بقيم مبتكرة ومفاهيم حديثة تساعده على تطوير البيئة المحيطة به وإعادتها مرة أخرى إلى النظام.

5- ويجرنا هذا إلى قضية التحيز Biss حيث يتحيز كل أحد إلى معتقده وإلى رؤيته الكلية، ويذكرنا هذا بالانتحار العرقي الذي سبق أن أشرنا إليه، وحول قضية التحيز عقد مؤتمر في القاهرة سنة 1992 نظمه الدكتور عبد الوهاب المسيري مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي ونتج عنه سبعة مجلدات في بحوث التحيز في مجالات شتى طبعت في دار الشروق، ولكن هل من قارئ أو مجيب.

6- إننا نملك رؤية كلية ترى أن الكون مخلوق لخالق حكيم لأنه سخر لبني آدم وأن علم ابن آدم محدود أمر بالسعي في الكون لكشفه؛ لأن لديه هذه القدرة (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ) [البقرة :31 ، 32] وأن الكشف لا يتناهى، وأن الفجوات العلمية تحث على الاستمرار وأن الله تعالى فعال لما يريد وأنه قادر على كل شيء، وهي مقابلة لنظرية الفوضى والسيطرة على الكون والصدفة والعشوائية والحتمية وتنحية الإله، فهل من متدبر؟

7- وبذلك يمكن الاستفادة من نظرية الفوضى الخلاقة إذا ما تعاملنا معها على أنها تنوع خلاق يخفي وراءه منظومة يمكن الكشف عنها فلا تصبح كغسالة الفوضى التي تعطي غسيلاً أكثر بياضا وتنحر في النسيج، وفي حالتنا النسيج المجتمعي وفي الهوية والوجود والكينونة، وفي نفس الوقت نسعى إلى إطلاق الإبداع الذي يمثل استعمال الطاقة الكامنة ولا يمثل أبداً قلة الأدب والهذيان بدعوى أن الفوضى نظام الكون أو كما يقول (جيم موريسون) : (أنا اهتم بأي شيء يتعلق بالثورة، باللانظام، وبالفوضى وخاصة الأنشطة التي لا تحمل أي معنى، فهذا كما أعتقد الطريق المباشر إلى الحرية). وهو أحد أشهر مغني الروك الأمريكي وقد وجدوه مقتولاً في حوض استحمام بباريس. إن هذا التوجه هو الأقل وجوداً والأقل صوتا حتى الآن، ولكنها من دعاوى العصر الجديد New age الذي ما زال عقلاء البشر يرفضونه بالرغم مما فيه شهوات.

 

عدد الزيارات 3713 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)