الثلاثاء, 09 آب/أغسطس 2016 19:10

أحكام الحج (1)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

نَعرِضُ في هذا الجزءِ لأحكام الحجِّ خاصّة، مع أن الكثير منها مماثلٌ أو مشتركٌ مع أحكام العمرة بما يشبه التكرار والتداخل، خاصةً مع مراعاة حال كُلٍّ مِن القارِن والمُتَمَتِّعِ، إلا أن تَخصِيصَ أحكام الحج بموضِعٍ خاص مقصودٌ لمَن أرادَ أن يُطالِعَ هذه دونَ تلك، وربما كان في الإعادة إفادة، هذا فضلاً عمّا يخُصُّ الحجَّ نفسَه من زيادة.

أولاً- تعريف الحج:

لُغة: هو القَصدُ. أما اصطلاحًا فهو: قَصدُ مَوضِعٍ مخصوصٍ (وهو البيت الحرام وعرفة) في وَقتٍ مخصوصٍ (وهو أشهر الحج) للقيامِ بأعمالِ مخصوصةٍ وهي: (الوقوف بعرفة، والطواف، والسعي عند جمهور العلماء) بشرائطَ مخصوصةٍ يأتي بيانُها.

ثانيًا- حكم الحج:

الحجُّ فَرضُ عينٍ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ بشروطِه وهي: (العقل والبلوغ والاستطاعة)، وهناك شرط خاصٌّ بالنِّساءِ وهو (عَدَمُ العِدّة)؛ فلا يجوز للمُعتَدّة أن تَخرُجَ للحَجِّ. أمّا بخصوص المَحرَمِ أو الزَّوجِ فلا يَلزَمُ المرأةَ ذلك في الحجِّ، فإن وُجِدَت نِسوة ثِقاتٌ (اثنتان فأكثر تأمَنُ معهنَّ على نفسِها) كَفى ذلكَ بدلاً عن المَحرَمِ أو الزَّوجِ، وهو ما ذهبَ إليه الشافعية والمالكية إن لم تَجِدِ المرأةُ المَحرَمَ، بل يجوز لها أن تخرج وحدَها لأداء الفرض أو النَّذرِ إذا أَمِنَت على نَفسِها ومالِها، وهو ما عليه الشافعية.

وقد دلَّ على فرضية الحج القرآنُ الكريم والسنة النبوية وإجماع المسلمين؛ فأمّا القرآن الكريم فيقول تعالى: ] وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [ (آل عمران:97). ومن السنةِ النبويةِ أحاديثُ كثيرةٌ؛ منها ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناسُ، قد فَرَضَ اللهُ عليكم الحَجَّ، فحُجُّوا"، فقال رجلٌ: أَكُلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسَكَتَ، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قُلتُ نَعَم لَوَجَبَت، ولَما استَطَعتم"([1]).

وقد أجمَعَتِ الأمّة سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا على فَرضِيّة الحَجِّ، وعلى أَنَّه أَحَدُ أركانِ الإسلامِ الخَمسة، وأنه من المعلومِ من الدينِ بالضرورة، وأن مُنكِرَه يَكفُرُ. وقد اختلفوا في وجوبِ الحجِّ: هل هو على الفَورِ أو على التَّراخِي؟ فذهبَ الجمهورُ إلى أنَّ الحجَّ يجبُ على الفَورِ (بمعنى فَورِ الاستطاعة)، وهو الأَولى، وذهب الشافعية والإمام محمد بن الحسن إلى أنَّه يجبُ على التَّراخي. ذلك ما يتعلق بحُكمِه، أمّا فَضلُه فكبيرٌ، نُبَيِّنُ بعضه فيما يلي:

ثالثًا- فَضلُ الحج:

يقول الله تعالى: ] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [ (الحج:27-28)، وقد كَثُرَتِ النصوصُ النَّبَوِيّة الشريفةُ في فَضلِ الحَجِّ وعظيمِ ثوابِه، نَذكُرُ مِن ذلكَ على سبيلِ المثالِ، ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه "([2])، وكذلك ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن يَومٍ أكثرُ مِن أن يَعتِقَ اللهُ فيه عَبدًا أو أَمةً مِنَ النّارِ مِن يَومِ عَرَفةَ، وإنَّه لَيَدنُو ثمَّ يُباهِي بهمُ المَلائِكةَ فيَقُولُ: ماذا أرادَ هَؤُلاءِ"([3])، وعن ابن عمرو رضي الله عنهما أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "الحُجّاجُ والعُمّارُ وَفدُ اللهِ؛ إن سَأَلُوا أُعطُوا، وإن دَعَوا أُجِيبُوا، وإن أَنفَقُوا أُخلِفَ لهم، والذي نَفسُ أبي القاسِمِ بيدِه ما كَبَّرَ مُكَبِّرٌ على نَشَزٍ ولا أَهَلَّ مُهِلٌّ على شَرَفٍ مِنَ الأشرافِ إلا أَهَلَّ ما بينَ يديه وكَبَّرَ حتى يَنقَطِعَ به مُنقَطِعُ التُّرابِ"([4])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال أفضل ؟ قال ( إيمان بالله ورسوله ) . قيل ثم ماذا ؟ قال ( جهاد في سبيل الله ) . قيل ثم ماذا ؟ قال ( حج مبرور )"([5]).

رابعًا- كَيفِيّاتُ هيئات الحج أو وجوه أدائه:

يُؤَدّى الحَجُّ على ثلاثِ هيئاتٍ سبقت الإشارة إليها في الرحلةِ وفي أحكامِ العمرةِ، ونؤكِّدُ عليها هنا مع الزيادات الخاصّة بأحكام الحجِّ:

1- الإفراد: وهو أن يُحرِمَ الحاجُّ بالحَجِّ فقط عِندَ إحرامِه، فيقول «لبيك اللهمَّ حجًّا» ويأتِي بأعمالِ الحَجِّ وَحدَه، ثم بعد انتهاء الحج يعتمر.

2- القِران: وهَيئَتُه أن يُحرِمَ بالعمرة والحج جميعًا، فيقول: «لبيك اللهمَّ عمرةً وحجًّا» فيأتي بهما في نُسُكٍ واحدٍ. وقال الجمهور: إنهما يتداخلان، فيطوفُ طوافًا واحدًا، ويَسعى سَعيًا واحدًا، ويُجزِئُه ذلكَ عنِ الحجِّ والعُمرة. وقال الحنفيّة: يطوفُ القارِنُ طوافين ويسعى سعيَين: طوافًا وسعيًا للعمرة، ثمَّ طوافَ الزيارةِ والسَّعيَ للحَجِّ. ويَجِبُ على القارِنِ أن يَنحَرَ هَديًا بالإجماعِ.

3- التمتع: وهو أن يُحرِمَ بالعُمرة فقط في أشهرِ الحجِّ، فيقول: «لبيك اللهم عمرة» ويأتي مكةَ فيُؤَدِّي مناسكَ العمرةِ، ويَتَحَلَّلُ. ويَمكُثُ بمكةَ حلالاً، ثمَّ يُحرِمُ بالحجِّ ويأتي بأعمالِه. ويجب عليه أن يَنحَرَ هديًا بالإجماعِ.

__________________________________________________

 

([1])  أخرجه مسلم (ج2/975رقم1337) ط إحياء التراث العربى، وأخرجه أحمد (ج2/508رقم10615) ط قرطبة, كلاهما عن أبى هريرة.           

([2])  أخرجه البخارى (ج2/645رقم1723) ط ابن كثير اليمامة ، وأخرجه مسلم

(ج2/984رقم1350) بلفظ " من أتى هذا البيت ....." ط إحياء التراث العربي ، كلاهما عن أبي هريرة.

([3]) أخرجه مسلم (ج2/982 رقم 1348) عن عائشة، ط إحياء التراث العربي.

([4])  أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (ج3/475 رقم 4104) عن عبد الله بن عمرو، ط دار الكتب العلمية، قال السيوطي في جامع الأحاديث (ج12/171رقم11699) أورده ابن عدى (6/197ترجمة 1672 محمد بن أبى حميد الزهرى) قال يحيى بن معين : منكر الحديث ليس حديثه بشىء . والحديث قد ضعفه المنذرى (2/113) . قال المناوى (3/406) : فيه بكر بن بكار أورده الذهبى فى الضعفاء وقال النسائى غير ثقة ومحمد بن أبى حميد قال الذهبى ضعفوه .

([5]) أخرجه البخاري (ج2/553رقم1447) ط ابن كثيراليمامة، وأخرجه مسلم (ج1/88 رقم 83) ط إحياء التراث العربي، كلاهما عن أبى هريرة.

عدد الزيارات 4540 مرة آخر تعديل على الثلاثاء, 09 آب/أغسطس 2016 19:19

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة