طباعة

المحاسبة والتشويه

علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أحدا لا ينبغي أن يكون فوق المحاسبة‏,‏ وبدأ بنفسه‏,‏ فكان يعدل صفوف أصحابه يوم بدر‏,‏ بعود كالأراك في يده‏,‏ فمر بسواد بن غزية وهو متقدم عن الصف‏,‏ فطعنه في بطنه بالعود وقال استو يا سواد: ‏ فقال: يا رسول الله أوجعتني‏,‏ وقد بعثك الله بالحق والعدل‏,‏ فأقدني‏,‏ وكان سواد مقاتلا فارسا‏,‏ فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال: استقد قال: ‏ فاعتنقه فقبل بطنه‏,‏ فقال: ‏ ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله‏,‏ أردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك‏,‏ فدعا له بخير‏, (السيرة النبوية لابن إسحاق‏),‏ ونحن نسير على هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سار عليه الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي‏,‏ فكلهم أعلنوا أنهم ليسوا فوق المحاسبة وأن المحاسبة حق من حقوق المجتمع‏,‏ وبلغة العصر: ‏ رقابة دستورية على الجميع لا يستثنى منها أحد‏,‏ وهذا هو العدل الذي هو أساس الملك.‏‏

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في خطبة توليه الخلافة: أما بعد أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم‏,‏ فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني‏,‏ الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له‏,‏ والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه‏, أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ‏(سيرة ابن إسحاق‏).‏

 وهذا عمر الفاروق رضي الله عنه يقول في إحدى خطبه: أيها الناس‏,‏ من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه‏,‏ فقام له رجل وقال: ‏والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا‏,‏ فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه‏.‏ وكان يقول: ‏أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي‏.‏ وجاءه يوما رجل فقال له: ‏اتق الله يا عمر‏,‏ فغضب بعض الحاضرين‏,‏ فقال لهم عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها‏,‏ ولا خير فينا إذا لم نسمعها.‏

وهذا ذو النورين عثمان رضي الله عنه يقول في كتابه إلى عماله: أما بعد‏,‏ فإن الله خلق الخلق بالحق فلا يقبل إلا الحق‏,‏ خذوا الحق وأعطوا الحق ‏(تاريخ الطبري‏),‏ويقول أيضا: ‏إن وجدتم في كتاب الله عز وجل أن تضعوا رجلي في القيد فضعوها.‏

وهذا علي بن أبي طالب إمام المتقين -كرم الله وجهه- يقول في خطبة خلافته ألا وإنه ليس لي أمر دونكم إلا أن مفاتيح ما لكم معي‏,‏ ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم‏ (تاريخ الطبري‏).‏

كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البعد عن الشبهات إذا كانت شبهات‏,‏ والافتخار بالأعمال الصالحة دون تكبر أو بطر‏,‏ وفي الحديث أن صفية رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو معتكف‏,‏ فلما رجعت مشي معها‏,‏ فأبصره رجلان من الأنصار فأسرعا‏, فدعاهما فقال: ‏ على رسلكما‏,‏ إنها صفية بنت حيي ثم قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم‏ (أخرجه: البخاري ومسلم‏).‏ وكان يحب أن يظهر المسلمون الأعمال الصالحة حتى يعلمها الناس فيتبعوها‏,‏ وقال: ‏ من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده ‏(أخرجه مسلم‏).

وكان يكره الظلم وقال: ‏ الظلم ظلمات يوم القيامة وقال: واتق دعوة المظلوم‏,‏ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب‏ (رواهما البخاري ومسلم‏), وأمر المؤمنين أن يرجعوا عن ظلمهم إذا ظلموا‏,‏ وأن يطلبوا السماح من صاحب الحق‏,‏ وكان يقول: ‏ من كانت عنده مظلمة لأخيه‏,‏ من عرضه أو من شيء‏, فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم‏,‏ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته‏,‏ وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ‏(أخرجه البخاري‏).

وكان يكره أن تشوه الصورة‏,‏ لأن ذلك من الظلم الذي هو ظلمات يوم القيامة‏,‏ وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم الغنائم‏,‏ فقال له رجل: ‏اعدل يا محمد‏,‏ فإنك لم تعدل‏,‏ فقال: ‏ ويلك‏!‏ ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل؟ فقال عمر: دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق‏,‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ‏إن هذا في أصحاب أو أصيحاب له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم‏,‏ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ‏(أخرجه ابن ماجه وأحمد وابن حبان‏).‏ ولقد تكرر هذا الموقف كثيرا فصبر كما أمره الله وأنزل الله السكينة على قلبه قال تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ) [النحل:127].

وعلى الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ‏ كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع‏ (أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه‏).‏ وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى نعى على الذين يلبسون الحق بالباطل فقال تعالى: (لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [آل عمران:71],‏ ولدرجة أنه سمى الشيطان الرجيم ‏(إبليس‏), لأنه يلبس الحق بالباطل والباطل بالحق‏,‏ فإننا نرى من الناس من يصر على الباطل ويلبسه بالحق‏,‏ ونراهم يشترون الحياة الدنيا بالآخرة‏,‏ لا تنفع معهم موعظة‏,‏ ولا يردعهم‏ (قال الله‏)‏ و‏(‏قال الرسول‏),‏ وهذا الصنف من الناس يصدق فيه قول عثمان بن عفان: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن‏,‏ وحينئذ يحق للمؤمن أن يرفع الخصومة بينه وبين من ظلموه ـ ولم يسعوا للاعتذار ـ إلى القضاء يفصل بينهم في الدنيا‏,‏ وموعدنا يوم القيامة أمام حكم عدل مالك يوم الدين‏.‏ (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [الشُّورى:8] (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء:227].

عدد الزيارات 8997 مرة
قيم الموضوع
(3 أصوات)