طباعة

الاحترام

أصدرت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة مجموعة من القيم نبهت عليها‏,‏ وجعلت هذه القيم هي المشترك بين الإنسانية كلها‏,‏ وسمتها بالقيم النشيطة‏,‏ وارتأت أنها القيم التي ينبغي لكل مناهج التعليم في العالم أن تلتزم بها‏.‏

وكل هذه القيم وجدناها في الإسلام‏,‏ وفي كل الأديان‏,‏ أولى هذه القيم‏: قيمة الاحترام‏,‏ الاحترام للنفس‏,‏ والاحترام لغيرك‏,‏ والاحترام للعالم من حولك‏,‏ ومنها قيمة البساطة‏,‏ والتعاون‏,‏ والسعادة‏, والمرح، وقيمة المحبة‏,‏ وقيمة المسئولية‏,‏ وقيمة الاتحاد‏,‏ والتواضع‏,‏ والرحمة‏.‏

وجعلت الاحترام أولى القيم‏,‏ وفي الإسلام نرى أهمية الاحترام‏,‏ وقد ربطه بالتربية‏,‏ وبالخلق القويم الذي إذا تركناه أو نسيناه أو همشناه في حياتنا لذهبت هذه القيمة ومعها قيم كثيرة‏,‏ ولكان ذهاب هذه القيم مخلاً بالاجتماع البشري.‏‏

أمرنا الإسلام أن نربي أبناءنا وخدمنا وأن نعلمهم‏,‏ وأن نجعل التقوى هي المقياس‏,‏ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه أحمد في مسنده‏:‏ إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد‏,‏ وإنما أنتم ولد آدم‏,‏ طف الصاع لم تملئوه‏,‏ ليس لأحد فضل إلا بالدين أو عمل صالح‏,‏ حسب الرجل أن يكون فاحشاً بذياً بخيلاً جباناً‏,‏ ونرى في عصرنا أن كثيراً من الناس قد أساء الأدب مع العالم‏,‏ وأساء الأدب مع الناس، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ليس منا من لم يرحم صغيرنا‏,‏ ويعرف شرف كبيرنا‏,‏ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه‏,‏ وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر‏,‏ فقالوا‏:‏ والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها‏,‏ قال‏ فقال أبو بكر‏: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏,‏ فأخبر‏,‏ فقال‏:‏ يا أبا بكر‏,‏ لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك‏,‏ فأتاهم أبو بكر‏, فقال‏:‏ يا إخوتاه‏,‏ أغضبتكم؟ قالوا‏:‏ لا‏,‏ يغفر الله لك يا أخي‏,‏ رواه مسلم في صحيحه‏,‏ واليوم لا يبالي كثير من الناس بغضب أولياء الله وأهل القرآن‏,‏ وعلماء الأمة‏,‏ فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

لقد ربط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاحترام بنفع الناس‏,‏ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأةً سوداء كانت تقم المسجد -أي تنظفه- ففقدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏,‏ فسأل عنها‏,‏ فقالوا‏:‏ ماتت‏,‏ قال‏: أفلا كنتم آذنتموني؟‏,‏ قال‏:‏ فكأنهم صغروا أمرها‏,‏ فقال‏:‏ دلوني على قبرها‏,‏ فدلوه‏,‏ فصلى عليها عند قبرها‏,‏ أخرجه البخاري ومسلم‏,‏ وهو تدريب عملي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لصحابته على احترام الآخرين مهما صغرت مكانتهم‏,‏ خاصة أنها كانت تقوم بعمل صالح بتنظيف المسجد‏,‏ وهو بيت الله‏,‏ ومكان اجتماع المسلمين‏,‏ ولم تذكر لنا الكتب‏:‏ من تلك المرأة‏,‏ كل ما نعرفه أنها كانت تنظف المسجد فقط‏,‏ لكننا نعرف أيضا أنها ماتت وأن الله راض عنها ورسوله والمؤمنون‏.‏

ويتمادى الإسلام في تعليم الاحترام حتى أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه‏.

والإسلام يعلمنا الاحترام مع الآخرين‏,‏ فاخرج البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلي قال‏: كان سهل بن حنيف‏,‏ وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية‏,‏ فمروا عليهما بالجنازة‏,‏ فقاما‏,‏ فقيل لهما‏:‏ إنها من أهل الأرض - أي من أهل الذمة في هذه البلد- فقالا‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرت به جنازة فقام‏,‏ فقيل له‏:‏ إنها جنازة يهودي‏,‏ فقال أليست نفسا؟‏.‏

وعلمنا الإسلام الاحترام داخل الأسرة‏,‏ فعن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ بلغ صفية بنت حيي أم المؤمنين أن حفصة أم المؤمنين أيضاً قالت عنها‏:‏ بنت يهودي‏,‏ فبكت صفية‏,‏ فدخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي تبكي‏,‏ فقال‏: ما يبكيك؟‏,‏ قالت‏:‏ قالت لي حفصة إني بنت يهودي‏,‏ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ إنك لابنة نبي‏,‏ وإن عمك لنبي‏,‏ وإنك لتحت نبي‏,‏ ففيم تفخر عليك؟‏!,‏ اتقي الله يا حفصة‏,‏ أخرجه أحمد والترمذي‏.‏

فانظر كيف وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكلام أولاً إلى السيدة صفية فرفع من مكانتها‏,‏ وأشعرها بالثقة في النفس‏,‏ ولفت نظرها إلى معنى لم تلتفت هي إليه أصلاً‏,‏ وهي أنها من نسل موسى أو هارون عليهما السلام فهي بنت نبي وعمها نبي‏,‏ وهذا دافع لفخارها بنفسها‏,‏ فأذهب عنها حزنها وبكاءها‏, واذهب عنها المفهوم الذي دعاها للشعور بالنقص أو القلة‏,‏ ثم ربى على كل هذه المعاني الطيبة ونسق الإسلام المفتوح السيدة حفصة‏.

بل إن الإسلام تمادى في تعليمنا قيمة الاحترام حتى أمرنا أن نحترم الحيوان‏,‏ والجماد‏,‏ فعن أبي هريرة رضي الله عنه‏,‏ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر‏,‏ فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس‏,‏ وجعل لكم الأرض‏,‏ فعليها فاقضوا حاجتكم‏,‏ أخرجه أبو داود في سننه‏.‏

لا مفر لنا إلا أن نحترم كبيرنا‏,‏ وأن نعطف على صغيرنا‏,‏ وأن نتقي الله في أنفسنا‏,‏ فهذا هو الأمن المجتمعي‏.‏

عدد الزيارات 9690 مرة
قيم الموضوع
(7 أصوات)