طباعة

حول كتاب: مستقبل الإسلام

قد نرى بعض الأقلام الغربية التي تجيد تشويه الإسلام والافتراء عليه إلا أننا لا نعدم في تلك المجتمعات أقلاما حرة تتسم بالحياد والإنصاف في عرض حقائق الإسلام‏;‏ بل والأمانة في النقل عن الغير.

وهذا ما يشجعنا دوما على التواصل مع الحضارات الأخرى مهما يكن جنسها أو دينها‏. ‏ومن تلك الشخصيات الغربية التي تعتني بدراسة الإسلام وواقع المسلمين د. جون إسبوزيتو الأكاديمي الأمريكي البارز والمنصف في عرضه للإسلام وقضايا المسلمين الذي تربطني به علاقة طيبة منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي‏,‏ حيث التقينا في العام الماضي مرتين‏;‏ الأولى على هامش الملتقى الرابع للرابطة العالمية لخريجي الأزهر‏;‏ الذي انعقد بالقاهرة في شهر يونيو‏,‏ وقد حضر للمشاركة في المؤتمر الذي كان يناقش قضية الحوار والتواصل بين الأزهر والغرب‏,‏ وقد أهداني الدكتور إسبوزيتو آنذاك الإصدار العربي من كتابه الماتع من يتحدث باسم الإسلام وإن كنت قد قرأته في نسخته الأصلية منذ إصداره‏,‏ وهو الكتاب الذي شاركت في تأليفه الأستاذة داليا مجاهد وعرضت نتائجه على مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف في جلسة خاصة‏.

والتقينا في المرة الثانية على هامش مؤتمر كلمة سواء‏,‏ الذي انعقد بجامعة جورج تاون بواشنطن في أوائل أكتوبر‏,‏ وبشرني وقتها بقرب إصدار كتابه مستقبل الإسلام وشكرني مجددا للإسهام الذي قدمته في كتابه‏.

وكان د‏.‏ إسبوزيتو قد طرح علي منذ ما يقرب من عام ونصف العام مجموعة من الأسئلة التي تشغل أذهان الآخر في الغرب‏,‏ وهي تدور حول‏:‏ موقف الإسلام من الحداثة‏,‏ وقضايا المرأة‏,‏ والحوار‏,‏ والدور الذي يقوم به الأزهر ودار الإفتاء المصرية في ترسيخ قيم الوسطية والانفتاح على العالم‏، ليضمنها في كتاب له سوف ينشر في أوائل عام ‏2010,‏ وقد رحبت بالفكرة وأرسلت له إجابات تفصيلية باللغة الإنجليزية عن الأسئلة التي طرحها‏;‏ وقد أوفى الرجل وظهرت الإجابات بشكل متزن في ثنايا كتابه‏.‏

وقد أكدت في إجاباتي أننا في دار الإفتاء المصرية نبذل جهودا دؤوبة نحو الوصل بين الإسلام والعالم المعاصر‏;‏ فنحن نصدر آلاف الفتاوى يوميا في مختلف فروع الفقه‏;‏ ومنها قضايا حياتية مهمة بشأن حق المرأة في الكرامة‏,‏ والتعليم‏,‏ والعمل‏,‏ وتولي المناصب السياسية‏,‏ وإدانة العنف في معاملاتها‏,‏ وأكدنا القيم المشتركة بين الأديان‏,‏ وأهمية المضي قدما في تعزيز المبادئ والقيم المشتركة‏,‏ واحترام وقبول الآخر‏,‏ وشددت على أهمية أن يكون العلماء المسلمون المؤهلون هم من لهم حق التحدث باسم الإسلام‏, وحذرنا من مغبة أن تقوم بعض وسائل الإعلام الغربية بإفساح المجال لبعض المتطرفين -الذين لا يمثلون إلا أنفسهم- باعتبارهم يريدون أن يكونوا تيارا سائدا‏.‏ وأشرت إلى أهمية تجديد التراث الفقهي بالضوابط المرعية‏,‏ وضرورة الأخذ في عين الاعتبار السياقات التاريخية المختلفة‏.‏

وقد أشاد الدكتور إسبوزيتو بالأزهر الشريف وعلمائه في أكثر من موضع‏:‏ فقد ذكر أ‏.‏ د‏.‏ محمد سيد طنطاوي -شيخ الأزهر السابق رحمه الله- في الصفحات‏: 31، 33، 104، 186 وذكر أ‏.‏ د‏.‏ علي جمعة -مفتي جمهورية مصر العربية- في الصفحات‏: 94، 96، 98، 107، 123، 129، 130 ونوه بالعلامة الشيخ محمد الغزالي صفحة 91.‏ وأيضا أ‏.‏ د‏.‏ زكي بدوي -مدير الكلية الإسلامية في لندن صفحة31.‏ ود‏.‏ مصطفي سيرتش -مفتي جمهورية البوسنة وخريج الأزهر- في مواضع عدة‏.‏ وقد أشاد أيضا بكل من‏:‏ مبادرة الحوار الأزهر -الفاتيكان صفحة:182.‏ وجامع الأزهر الشريف صفحتا: 31، 33.‏ وجامعة الأزهر صفحات‏: 96، 104، 108.‏ ورغم هذا السرد حول هذا الكتاب وطبيعته وما أسهمت شخصيا فيه فقد طالعت مقالة الأستاذ‏/‏ عبد الله عبد السلام بعنوان الأزهر ومستقبل الإسلام في عموده القيم‏:‏ أفق جديد الصادر يوم السبت الموافق 27/3/2010‏ الذي سأل فيه‏:‏ أين رجال الأزهر من التجديد؟ ولماذا وصلنا إلى أن الباحث الغربي يجد وفرة من المجددين المسلمين غير أنه لا أزهري بينهم؟ وكنت أتمنى لو أن الأستاذ‏/‏ عبد الله قد قرأ الكتاب بعناية قبل أن ينقل هذا التعميم‏.‏

وختاما‏..‏ أود التأكيد على ثلاثة أمور‏:‏

أولا‏:‏ أن المؤسسة الدينية في مصر وعلى رأسها الأزهر الشريف أدت دورها الوطني والقومي والإسلامي‏,‏ وهي تحتل مقام الريادة والقيادة دائما ولن تتخلى عن هذا الدور‏,‏ لتظل وفية لدينها ووطنها وتاريخها‏,‏ فالأزهر له دور مهم جدا في الداخل والخارج وكلما زادت قوة الأزهر وحضوره زادت قوة مصر والعالمين العربي والإسلامي بالضرورة‏.

ثانيا‏:‏ لقد قدم الأزهر أعمالا جليلة وإسهامات عظيمة يشهد لها الشرق والغرب سعيا منه لرفعة الأمة ونهضتها‏,‏ وكفى بالأزهر فخرا أنه منذ إنشائه يقدم المنهج الوسطي والفهم الصحيح المبني على المنهج العلمي الرصين لنصوص الدين‏,‏ والفهم الواقعي للحياة‏,‏ يؤدي ذلك كله وهو يحافظ على هويته بالرغم من التطور الهائل حوله بمرونة تذكر فتشكر‏,‏ ويحافظ على نقاء الإسلام من الفكر الصدامي والتيارات المتشددة والمتطرفة التي أساءت كثيرا للإسلام والمسلمين وجعلته محل اتهام وهجوم من قبل البعض‏.

ثالثا‏:‏ أن المأمول من المؤسسة الدينية أن تواكب تقنيات العصر بشكل أكثر فعالية‏,‏ ولقد بدأت بالفعل باتخاذ خطوات عملية في هذا الطريق ولكن هذا يحتاج إلى موارد كثيرة وإلى جهد أكبر وإلى تدريب مستمر على كل المستحدثات والمستجدات‏,‏ وتحتاج من الجميع الالتفاف والتأكيد على مرجعية المؤسسة الدينية باعتبار ذلك مشروعا حضاريا ودستورا يلتزم به الإعلام والأقلام والمفكرون‏.

عدد الزيارات 9112 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)