طباعة

عن سبب إثارة الشائعات؟ ومفهوم الشائعات؟ وهل هو يفيد الأمة الإسلامية أم يضرها؟

بسم الله الرحمن الرحيم, الحد لله والصلاة والسلام علي سيدنا رسول الله وعلي آله وصحبه ومن والاه.. جاء في صحيح مسلم في أول الكتاب حديث رسول الله ﷺ : " كفي بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"[1] وعلم التوثيق عند المسلمين لعب دورا كبيرا في حياتهم, وثقوا النص القرآني حتى وصل إلينا علي مستوي الأداء الصوتي.. فأنا أقرأ علي الشيخ وأقول:{وَالضُّحَى}[2] فيقول:( والضحى) بالترقيق وثقوا السنة النبوية توثيقا لافتا للنظر, ووضعوا لها علوما تربو علي عشرين علما من أجل التوثيق.. فالمسلم وهو يؤصل هذه المسالة هو يؤصل لعقلية الواقع, لعقلية الحق والحقيقة, ويقول: إن الكذب هش لا تبني عليه الحضارات, عقلية الكذب, التي يدعو إليها كثيرا من الناس, والتي تميزت بالسطحية, وتميزت بالغوغائية, ينهي عنها الإسلام, وهي فادحة فيه.. ولذلك أخرج مالك في الموطأ أن رجلا يسأل النبي  : أيسرق المؤمن؟ قال: " نعم"- لأنه ربما يحتاج إلي شيء - قال: أيزني المؤمن؟ قال: " نعم" فمن الممكن أن يقع في الخطيئة بدافع الشهوة وينسي نفسه فيقع في الخطيئة والخطأ, فقال: أيكذب المؤمن؟ قال: " لا"[3].

إذن قد بعد بنا عن الكذب ومنهج الكذب, حتى قال: " من كذب علب متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"[4] وهي قمة الكذب, أن تكذب في التشريع.. فإن كذب غلي جهة فهي بسيطة, ولكن هي كبيرة في بناء العقل, هي بسيطة في حق الإنسان, ولكنها كبيرة في بناء العقل, وكلمة الكذب في لغة قريش تطلق كذلك علي الخطأ, فالخطأ غير المتعمد يسمونه كذبا, فعندما دخل سعد مكة يوم الفتح, وهو في نشوة الانتصار, قال: اليوم يوم الملحمة. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ , فقال: "اليوم يوم المرحمة, كذب سعد"[5] وعزل سعدا من قيادة الفيلق الذي سيدخل بجانبه, وعين ابنه قيس ابن سعد مكانه من أجل هذه الكذبة.. فيعد هنا لم يكذب, وكان فرحان, يستنفر قواته, ولكن رسول الله  لما كان ذلك مخالفا للواقع سماه كذبا, وهي لغة قريش, أن يسمي الخطأ كذبا.

إذن نحن أمام مشكلة منهجية, وتكون للعقل المسلم.. العقل السليم لا يستجيب للشائعات.. العقل المسلم عليه أن يتلقي الأمر ويفهمه.. العقل المسلم في التراث الإسلامي كان عقلا فارقا, يفرق بين الموضوعات, ويفرق بين السبب والمسبب, ويفرق بين البذرة والشجرة والثمرة.. ويعرف أن هناك فارقا بين هذا وذاك. وهذا الحديث يوجه بصفة خاصة إلي الإعلاميين والصحافة, فالصحافة هي السلطة الرابعة وإن اعترض بعض القانونيين والأعلام والصحافة بيده أن يحل مشكلات الأمة.. أجندتنا ليست في هذا الغثاء, الذي فيه أنه لم يجد موضوعا نكتب في هذا الموضوع. مشكلتنا في محو الأمية. مشكلتنا في القضاء علي البطالة.. مشكلتنا في رفع من هو تحت مستوي الكفاف ثم الكفاية ثم الكفاءة. فهناك 3 مستويات للمعيشة, كفاف وكفاية وكفاءة.. الكفاف يكفي للأكل أو لا يجد ما يأكله, ومن الأمن الاجتماعي الذي علمنيه الإسلام أن أكفل هؤلاء.. ولذلك أوجب الله علينا الزكاة, وأوجب الصدقة, وأرشدنا إلي الوقف وأرشدنا إلي أن نحسن الجوار, " والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, والله لا يؤمن.. من بات شبعان وجاره جوعان"[6]

الحقيقة, نحن أمامنا كنز, يجب علينا أن نفهمه, وأن نحوله إلي إجراءات. نهتم بمواجعنا.. أنا عندي أمية, أنا عندي بطالة, أنا عندي مشكلة في البيئة, وعندي تنمية بشرية, أنا عندي زيادة سكانية, أنا عندي إنتاج وأريد أن أدخل في مرحلة الإنتاج الوفير.. أنا عندي عصر يحتاج إلي استيعابي للتكنولوجيا, أنا لي أجندتي, وهذه الأجندة ملخصة في قول رسول الله ﷺ , في حديث ابن حبان: " من حكمة آل داود أن يكون المؤمن مدركا لشأنه, عالما بزمانه"[7], فيجب أن ندرك شأننا, ويجب أن نعلم زماننا, لابد أن ندخل في هذا العصر.. وليس ذلك بأن نقلد الآخرين في صحافة الإثارة.. تلك الصحافة التي في أمريكا سنة 1830 م..ولمن عندي أوضاعي التي لو استعملت الصحافة  والإعلام للقضاء عليها سنندح نجاحاً كبيراً في بناء العقلية, في يناء الهمة, في بناء الإنسان المنتج, في يناء الإنسان الذي يعمر الأرض, الذي يزكي النفس. فالحقيقة أنني أبنى إنسانا, وبناء الإنسان قبل بناء البنيان, والساجد قبل المساجد, لأن هذا الساجد هو الذي سيعبد ربنا, وهو الذي سيعمر الأرض, وهو الذي من الممكن أن يفسد فيها أيضاً.

 

[1]  صحيح مسلم.

[2]  الآية 1 من سورة الضحى.

[3]  الموطأ للإمام مالك ولفظه: " أيكون المؤمن جبانا؟ فقال: " نعم", فقيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: " نعم" فقيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ فقال: " لا".

[4]  متفق عليه.

[5]  أخرجه البخاري ج 4 حديث رقم 4030.

[6]  أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفة حديث رقم 359 ولفظه: " ما يؤمن من بات شبعان وجاره طاو( جائع) إلي جنبه".

[7]  أخرجه ابن حبان في صحيحه ج 2 حديث رقم 361, ونصه: " وعلي العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا علي شأنه حافظا للسانه..".

عدد الزيارات 11300 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)