طباعة
الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2014 00:00

تعدد الزوجات وحقيقته

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تعدد الزوجات وحقيقته

من باب تصحيح المفاهيم وإرساء الحقائق يجب علينا أن نعلم أن الإسلام جاء بالحد من تعدد الزوجات، ولم يأت بتعدد الزوجات كما يظن الآخرون، فعن سالم، عن أبيه؛ أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم - : « اختر منهن أربعًا »([1]). من هذا الحديث يظهر لنا أن الإسلام نص على الحد من كثرة عدد الزوجات، وفي المقابل لم يرد أمر لمن تزوج واحدة بأن يتزوج أخرى؛ وذلك لأن تعدد الزوجات ليس مقصودًا لذاته، وإنما يكون تزوج الرجل مرة أخرى لأسباب ومصالح عامة.

فلم يرد تعدد الزوجات في القرآن الكريم بمعزل عن أسبابه، فالله عز وجل قال : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]. فالذين فسروا الآية الكريمة أو درسوها كنظام إنساني اجتماعي فسروها بمعزل عن السبب الرئيس الذي أُنْزِلَت لأجله، وهو وجود اليتامى والأرامل؛ إذ إن التعدد ورد مقرونا باليتامى؛ حيث قاموا بانتزاع قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] دون القول السابق، والذي صيغ بأسلوب الشرط {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] وكذلك دون القول اللاحق، والذي يقيد تلك الإباحة بالعدل ؛حيث قال : {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً } [النساء: 3].

فمن ذهب إلى القرآن الكريم لا يجد دعوة مفتوحة صريحة للتعدد دون تلك القيود التي أشرنا إليها، ومن ذهب إلى السنة فسيجد أن الإسلام نهى عن التعدد بأكثر من أربع نساء، وشتان بين أن يكون الإسلام أمر بالتعدد حتى أربع نساء، وبين أن يكون نهى عن الجمع بين أكثر من أربع نساء.

فإنّ نظام تعدّد الزوجات كان شائعًا قبل الإسلام بين العرب، وكذلك بين اليهود والفرس، والتاريخ يحدّثنا عن الملوك والسلاطين بأنّهم كانوا يبنون بيوتًا كبيرة تسع أحيانًا أكثر من ألف شخص ، لسكن نسائهم من الجواري ، وفي بعض الأحيان يقومون بتقديمهن كهدايا إلى ملوك آخرين، ويأتون بنساء جديدات، كما أنه في شريعة اليهود وفي قوانينهم - حتى الآن- يبيحون تعدد الزوجات، ولا يجرؤ أحد أن يهاجمهم في عقيدتهم ودينهم وشرعهم.

والغريب أن الذين يحاربون نظام الإسلام في السماح للرجل بالزواج مرة أخرى في ظروف معينة يعانون من تفكك أسري، وانتشار الفاحشة، وإباحة تعدد الخليلات (العشيقات) بلا عدد ولا حد، فالخليلة لا تتمتع بحقوق الزوجة، إضافة إلى ما يترتب على الأمر من خيانة الزوجة، وإسقاط حقوقها، ناهيك عن عدم الاعتراف بتلك الخليلة وبأولادها. فهي وحدها التي تتحمل ثمن أجرة الإجهاض، أو تعيش غير متزوجة (الأم العازبة)؛ لترعى طفلها غير الشرعي! {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81]. 

التعدد المباح في الغرب هو التعدد في غير إطار، وهو التعدد الذي لا يكفل للمرأة أي حق، بل يستعبدها الرجل، ويقيم معها علاقة غير رسمية ويسلب زهرة حياتها، ثم يرمي بها خارج قلبه وحياته، وقد يتسبب لأسرته في أمراض جنسية خطيرة إلى جانب أطفال السفاح الذين لا يعترف بهم في أكثر الأحيان. ولكثرة الأرقام وكثرة الإحصائيات نكتفي بأخذ نموذج من الدول الغربية، وليكن الولايات المتحدة الأمريكية، ولندع الأرقام تتحدث :

v في عام 1980م (1.553000) حالة إجهاض، 30 % منها لدى نساء لم يتجاوزن العشرين عامًا من أعمارهن، وقالت الشرطة: إن الرقم الحقيقي ثلاثة أضعاف ذلك.

v   في عام 1982 م (80%) من المتزوجات منذ 15 عامًا أصبحن مطلقات.

v   وفي عام 1984م (8 ملايين) امرأة يعشن وحدهن مع أطفالهن دون أية مساعدة خارجية.

v   وفي عام 1986م (27%) من المواطنين يعيشون على حساب النساء.

v   وفي عام 1982م (65) حالة اغتصاب لكل 10 آلاف امرأة.

v وفي عام 1995م (82) ألف جريمة اغتصاب؛ 80% منها في محيط الأسرة والأصدقاء، بينما تقول الشرطة : إن الرقم الحقيقي 35 ضعفًا.

v وفي عام 1997م بحسب قول جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة : اغتصبت امرأة كل 3 ثوان، بينما ردت الجهات الرسمية بأن هذا الرقم مبالغ فيه في حين أن الرقم الحقيقي هو حالة اغتصاب كل 6 ثوان!

v   74% من العجائز الفقراء من النساء؛ و 85% من هؤلاء يعشن وحيدات دون أي معين أو مساعد.

v ومن 1979 إلى 1985: أجريت عمليات تعقيم جنسي للنساء اللواتي قدمن إلى أمريكا من أمريكا اللاتينية، والنساء اللاتي أصولهن من الهنود الحمر، وذلك دون علمهن.

v   ومن عام 1980 إلى عام 1990م: كان بالولايات المتحدة ما يقارب مليون امرأة يعملن في البغاء.

v   وفي عام 1995: بلغ دخل مؤسسات الدعارة وأجهزتها الإعلامية 2500 مليون دولار. ([2])

كل هذه الأرقام هي نتائج طبيعية لاستبدالهم بنظام تعدد الزواج واحترام المرأة في الشريعة الإسلامية، نظام الانفلات وتعدد الصديقات والعشيقات، ثم بعد ذلك يهاجمون التشريع الإسلامي.

ولننظر آراء المنصفين من الغربيين في تلك القضية، تقول إحداهن : « لقد كثرت الشاردات من بناتنا، وعم البلاء، ودلل الباحثون عن أسباب ذلك؛ وإذ كنت امرأة تراني أنظر إلى هاتيك البنات، وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحبًّا وماذا عسى يفيدهن بشيء حزني ووجعي وتفجعي وإن شاركني فيه الناس جميعًا؛ إذ لا فائدة إلا في العمل بما يمنع هذه الحالة الرجسة.

ويرى العالم (توس) أن الدواء الكافل للشفاء من هذا الداء؛ هو الإباحة للرجل بالتزوج بأكثر من واحدة وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محالة، وتصبح بناتنا ربات بيوت، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوربي على الاكتفاء بامرأة واحدة، فهذا التحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال، ولا بد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة. أيُ ظنٍ وخرصٍ يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلًّا وعالةً وعارًا في المجتمع الإنساني فلو كان تعدد الزوجات مباحًا لما حاق بأولئك الأولاد وبأمهاتهم ما هم فيه من العذاب والهوان، ولسلم عرضهن وعرض أولادهن. فإن مزاحمة المرأة للرجل ستحل بنا الدمار. ألم تروا أن حال خلقتها تنادي بأن عليها ما ليس على الرجل، وعليه ما ليس عليها، وبإباحة تعدد الزوجات تصبح كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين»([3])

وعن كاتبة أخرى تقول : « لأن تشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاء من اشتغالهن في المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد، ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهارة حيث الخادمة والرقيق ينعمان بأرغد عيش، ويعاملان كما يعامل أولاد البيت ولا تمس الأعراض بسوء. نعم إنه لعار على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتها مثلا للرذائل بكثرة مخالطة الرجال، فما بالنا لا نسعى وراءها بجعل البنت تعمل بما يوافق فطرتها الطبيعية من القيام في البيت وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها»([4]).

وهذا الفيلسوف الألماني الشهير «شوبنهور» يقول : « إن قوانين الزواج في أوربا فاسدة المبنى، بمساواتها المرأة بالرجل؛ فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة فأفقدتنا نصف حقوقنا، وضاعفت علينا واجباتنا ... - إلى أن قال : - ولا تعدم امرأة من الأمم التي تجيز تعدد الزوجات زوجا يتكفل بشئونها، والمتزوجات عندنا قليل، وغيرهن لا يحصين عددًا، تَرَاهُن بغير كفيل: بين بكر من الطبقات العليا قد شاخت وهي هائمة متحسرة، ومخلوقات ضعيفة من الطبقات السفلى، يتجشمن الصعاب، ويتحملن مشاق الأعمال، وربما ابتذلن فيعشن تعيسات متلبسات بالخزي والعار، ففي مدينة لندن وحدها ثمانون ألف بنت عمومية، سفك دم شرفهن على مذبح الزواج، ضحية الاقتصار على زوجة واحدة، ونتيجة تعنت السيدة الأوربية، وما تدعيه لنفسها من الأباطيل. أما آن لنا أن نعد بعد ذلك تعدد الزوجات حقيقة لنوع النساء بأسره»([5]).

وقالت «أني بيزانت» زعيمة الصوفية العالمية في كتابها «الأديان المنتشرة في الهند» : «ومتى وزنَّا الأمور بقسطاس العدل المستقيم، ظهر لنا أن تعدد الزوجات الإسلامي الذي يحفظ ويحمي ويغذي ويكسو النساء؛ أرجح وزنًا من البغاء الغربي الذي يسمح بأن يتخذ الرجل امرأة لمحض إشباع شهواته، ثم يقذف بها إلى الشارع متى قضى منها أوطاره».

وقال غوستاف لوبون : « إن نظام تعدد الزوجات نظام حسن يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تمارسه، ويزيد الأسر ارتباطًا، ويمنح المرأة احترامًا وسعادة لا تجدهما في أوربا ».

ما سبق يؤكد لنا أن نظام تعدد الزوجات أو إباحة التزوج بأكثر من واحدة ؛تحقيقًا لمقاصد الشريعة التي نص عليها الشرع الإسلامي؛ ليس منقوضًا عند كل المفكرين الغربيين، وقد رأينا شهادة المنصفين منهم.

وفي الختام نؤكد أن الإسلام أباح للرجل بأن يتزوج بأكثر من واحدة لكل هذه الفوائد التي ذكرناها وجاءت تلك الإباحة مقيدة في القرآن ،قال تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] ،كما أشار سبحانه إلى صعوبة العدل المطلق بين النساء ، فقال تعالى : {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129].هذا على أنه يمكن العدل النسبي في المبيت والنفقة والسكن والكسوة ونحوها. وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم - يقول : " اللهم هذا قسمي فيما أملك ،فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني : القلب([6]).وقال المفسرون : في الحب والجماع([7]).   

ورأينا كذلك في السنة النبوية الغراء أن النبي – صلى الله عليه وسلم - لم يأمر في حديث من أحاديثه من تزوج بواحدة أن يتزوج مرة أخرى، وإنما جاءت السنة بعكس ذلك، وهي أن من تزوج بنساء كثيرات أن يُطَلق عنه حتى يبقى عددًا محصورًا كما ذكرنا في حديث سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي  أسلم وتحته عشر نسوة ،فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم - : « اختر منهن أربعًا »([8]).

وأرى أن الأمر قد اتضح، والشبهة قد زالت، وتبين أن الزواج بأكثر من واحدة من خلال النظام التشريعي الإسلامي؛ هو في الحقيقة تكريم للمرأة؛ لأن الإنسان لا بد أن تكون نظرته متكاملة؛ فالنظر للمرأة التي يتزوج الرجل عليها وحده ليس إنصافًا، فإن التي سوف يتزوجها الرجل هي امرأة كذلك، وكرَّمها الشرع بأن سمح للرجل أن يتزوج منها لعلاج ما يعانيه المجتمع من مشكلات اجتماعية واقتصادية.

نسأل الله أن يبصرنا بأمور دنيانا وديننا، والله من وراء القصد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) رواه أحمد في المسند ج2 ، ص 13، وابن ماجه في سننه ج 1 ، ص 628.

([2]) التقرير السنوي المسمى بـ "قاموس المرأة" صدر عن معهد الدراسات الدولية حول المرأة، ومقره مدريد.

([3]) المنار ،ج4 ص 485 ،نقلاً عن جريدة (لندن ثرو ) بقلم بعض الكتاب ما ترجمته ملخصًا.

([4]) المصدر السابق .

([5]) الإسلام روح المدنية، لمصطفى الغلاييني ص 224، وهذا الرقم الذي ذكره شوبنهور كان في عهده حيث توفى سنة 1860م.

([6]) أخرجه أحمد في مسنده ،ج6 ص144 ،وأبو داود في سننه ،ج2 ص 242 ،واللفظ له ،والترمذي في سننه ،ج3 ص446 ، والنسائي في سننه الصغرى ،ج7 ص63 ،وابن ماجه في سننه ،ج1 ص633 .

([7]) انظر مثلاً : تفسير الطبري ،ج5 ص313 .

([8]) سبق تخريجه ص 27.

عدد الزيارات 9873 مرة