طباعة
الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2014 00:00

المرأة في الحضارة الإسلامية: نماذج حضارية

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

المرأة في الحضارة الإسلامية: نماذج حضارية

 لاشك أن التاريخ هو مرآة حضارة الشعوب، إذ لولا التطبيق الفعلي والواقعي ما عرفت حقيقة أفكار وعقائد الأمم، فإن محل الأفكار والعقائد الأذهان والقلوب، والأشخاص والمكان والزمان والأحوال هم عناصر بيئة تطبيق تلك الأفكار والعقائد، بل لن نكون مبالغين إذا قلنا إن التطبيق الفعلي هو التفسير الحقيقي للنظرية التي قد يُفهم من ألفاظها أكثر من معنى، وعلى هذا المعنى قدم علماء الأصول فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحوادث على قوله صلى الله عليه وسلم، بل جعلوا فعل الصحابي موضحاً ومعبراً للنص التشريعي في بعض الأحوال.

والتاريخ الإسلامي يخبرنا بأن هناك نساء كثيرات أَثَّرْنَ في مسيرة الأمة الإسلامية، وساهمن في رفعة مجدها في جميع المجالات، ولقد بدأ الدور النسائي في المسيرة الإسلامية مبكراً جداً، فالمرأة هي أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، والمرأة هي أول من استشهد في سبيل الله، والمرأة هي أول من هاجر إلى الله ورسوله مع زوجها بعد نبي الله لوط عليه السلام، وقد كانت السيدة عائشة رضي الله عنها، أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. نعم.. فالسيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها هي أول من آمن بالرسول وصدقه، غير أنها زادت على ذلك بأن كانت ملاذاً ومأمنا له صلى الله عليه وسلم، بل نصرت النبي صلى الله عليه وسلم بمالها، ورزقه الله منها الولد، ولقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم، عام فراقها له عام الحزن. وكانت السيدة سمية بنت خياط، زوج ياسر والد عمار، هي أول شهيدة في الإسلام، وكانت أقوى من ولدها الشاب حيث رفضت سب النبي صلى الله عليه وسلم، والنطق بكلمة الكفر في سبيل نجاتها، وأظهرت التمسك والإيمان بدينها وبنبيها حتى استشهدت رضي الله عنها.

وكانت السيدة رقية بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول مهاجرة في سبيل الله مع زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنهما (أخرجه الطبراني في الكبير).

وكانت السيدة فاطمة والسيدة عائشة رضي الله عنهما، من أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد «سئل صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ فقال: فاطمة» (أخرجه الحاكم في المستدرك)، وكذلك السيدة عائشة رضي الله عنها، فقد روى أنس رضي الله عنه قال: «قيل: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل: فمن الرجال؟ قال: أبوها» (أخرجه الترمذي).

ولم تقتصر مكانة المرأة في الإسلام على كونها أول مؤمنة في الإسلام، وأول شهيدة، وأول مهاجرة، وأحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل تعدت مكانتها ذلك عبر العصور والدهور، فحكمت المرأة، وتولت القضاء، وجاهدت، وعلَّمت، وأفتت، وباشرت الحسبة .. وغير ذلك الكثير مما يشهد به تاريخ المسلمين، ولعل أشهر نماذج النساء في الحضارة الإسلامية اللائي تولين منصب الحاكم.

لا نقصد بحكم النساء للبلاد أن يكون لهن التأثير والنفوذ وتسيير الأمور عن طريق زوجها الحاكم أو ابنها أو سيدها، فهذا الشكل لا يحصى، وقد كثر في الدولة العباسية خاصة بشكل كبير بداية من الخزيران بنت عطاء، زوجة المهدي العباسي وأم بنيه الهادي وهارون، وقد توفيت سنة ١٧٣ هـ، مروراً بقبيحة أم المعتز بالله (ت ٢٦٤)، وفاطمة القهرمانة (ت ٢٩٩)، وأم موسى الهاشمية قهرمانة دار المقتدر بالله، وأم المقتدر بالله شغب (ت ٣٢١)... وغيرهن الكثير ممن لا يحصى ولا يعد، إنما نعني من حكمن البلاد وبعض الأقطار الإسلامية بطريقة مباشرة وواضحة. فلقد حكم النساء بعض الأقطار الإسلامية في أزمنة مختلفة، وإن كانت لم تلقب امرأة في الإسلام بلقب «الخليفة»، لكنها لقبت بألقاب دون ذلك منها: السلطانة، والملكة، والحرة، وخاتون. ويذكر التاريخ الإسلامي أن هناك أكثر من خمسين امرأة حكمن الأقطار الإسلامية على مر التاريخ، بداية من ست الملك إحدى ملكات الفاطميين بمصر، التي حكمت في بداية القرن الخامس الهجري، مروراً بالملكة أسماء والملكة أروى، اللتين حكمتا صنعاء في نهاية القرن الخامس الهجري، وزينب النفزاوية في الأندلس، والسلطانة رضية التي تولت الحكم بدلهي في منتصف القرن السابع الهجري، وعائشة الحرة في الأندلس، وست العرب، وست العجم، وست الوزراء، والشريفة الفاطمية، والغالية الوهابية، والخاتون ختلع تاركان، والخاتون بادشاه، وغزالة الشبيبة، وغيرهن كثير.

وتظل شجرة الدر هي أشهر النماذج النسائية بتوليها حكم مصر والشام، فهي ذات إدارة وحزم وعقل وبر وإحسان، ملكها الملك الصالح في أيام والده، واستولدها ولده خليل ثم تزوجها، وصحبته ببلاد الشرق ثم قدمت معه إلى البلاد المصرية، فعظم أمرها في الدولة الصالحية، وصار إليها غالب التدبير في أيام زوجها ثم في مرضه، وكانت تكتب خطاً يشبه خط الملك الصالح فتعلم على التواقيع، ولقد باشرت الحكم، وأخذت توقع عن السلطان مراسيم الدولة إلى أن وصل تورانشاه إلى المنصورة، فأرسل إليها يهددها ويطالبها بالأموال، فعملت على قتله، فقتل في ٧ محرم سنة ٦٤٨هـ، ولما قتل وقع الاتفاق على تولية شجرة الدر السلطنة فتولتها، وقَبَّل لها الأمراءُ الأرضَ من وراء الحجاب، فكانت تاسع من تولى السلطنة بمصر من جماعة أيوب، وكان ذلك في ٢ صفر سنة ٦٤٨، وجعلوا عز الدين أيبك الصالحي التركماني أتابك عسكرها، وساست الرعية أحسن سياسة، فرضي الناس عن حكمها خير رضاء، وكانت تصدر المراسيم وعليها توقيع شجرة الدر بخطها باسم والدة خليل، وخُطِب في أيام الجمع باسمها على منابر مصر والشام، وضُرِبت السكة- أي النقود- باسمها ونقش عليها: «السكة المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة الملك المنصور خليل».

تلك نماذج من صفحات صدر الإسلام والتاريخ الإسلامي التي يعرفها القاصي والداني، والتي تنم عن قيمة المرأة في الحضارة الإسلامية، وكم لها من إسهامات في بناء المجتمع وإرساء دعائمه.

عدد الزيارات 6722 مرة