طباعة

العلم في الإسلام 2

الجمعة, 08 كانون2/يناير 2016     كتبه 

وصلا بما سبق من الحديث عن العلم في الإسلام، وكيف تعامل المسلمون مع قضايا العلم والتعلم والعلوم، نؤكد أن العلم في التعريف العربي لا يقتصر على المعنى المترجم لكلمة Science الذي قصر العلم على التجريب فقط؛ وإنما يعني القدر التعييني من المعرفة، وبذلك فهو يفرق بين القطعي والظني ويعلم حدود كل واحد منهما.

فالخلط بين القطعي والظني من مظاهر التفكير المعوج والخلط بين مجال الحس والعقل والنقل وعدم التمييز بينها من مظاهر التفكير المعوج كذلك والسير خبط عشواء من غير اتضاح كيفية الاستفادة من كل المجالات؛ لأنها تمثل الواقع المعيش من مظاهر ذلك التفكير المعوج واحتقار مجال على حساب مجال آخر من مظاهر التفكير المعوج أيضًا.

كما أن العلم التجريبي نفسه تعرض لانتقادات من داخل الحضارة الغربية، لا سيما مع ظهور نظرية الفوضى الخلاقة  التي من أساسها أن أي تغير طفيف في بداية الأمر سيتحول إلى اختلاف عظيم غير متوقع عند نهايته لدرجة أن الهواء الناتج من ضربة جناح فراشة في الشرق قد يؤدي إلى إعصار ضخم في الغرب، وهي النظرية التي ظهرت مع عالم الرياضيات الفرنسي هنري بونيكير وهو يحاول حل معضلة (حركة الثلاث أجسام في إطار واحد من الجاذبية) وهي مشكلة رياضية كانت بلا حل طوال قرنين من الزمان، وذلك في أواخر القرن 19 وانضم إلى هذا أن علماء التجريب لم ينجحوا في تفسير كثير من الظواهر رغم تجميعهم لكثير من المعلومات التي لم يستطيعوا الربط بينها من جهة، وعدم قدرتهم على تنبؤ مسارها في المستقبل بقانون واضح من جهة أخرى مما جعلهم يطلقون عليها لفظ العشوائية.

واستمر الحال على ذلك حتى النصف الثاني من القرن العشرين حيث بدأت الرؤية تختلف لدى العديد من العلماء، فوصل بهم اليقين بعجز القانون النظامي بتفسير العديد من الظواهر المحيطة بهم ولعل أهمها ظاهرة النمو البيولوجي للسكان والذي فشلت جميع النظريات الحديثة في التوقع بنسبة نموه، ويعد جهاز الكمبيوتر هو العامل المساعد على تطور هذا المذهب وانتشاره خلال النصف الثاني من القرن العشرين وخصوصا من خلال إطاره الرياضي بعدما ظل الجانب الفيزيائي هو المسيطر عليه طوال النصف الأول من القرن.

ثم انتقلت نظرية الفوضى من الفيزيا إلى الأرصاد إلى بورصة المال إلى السياسة وأثرت في مذاهب الفن والموسيقى والآداب. وهذه النظرية تكر على ما استقر في المعرفة التقليدية عندهم من حتمية السببية أي أن العلاقة بين السبب والمسبب حتمية.

والمسلمون في حضارتهم يحترمون العلاقة بين السبب والمسبب ويرون أنه تحدث في أغلب الأحيان، فما اعترافهم بأنها علاقة غير حتمية، إلا أنها الترابط بينها في الظاهر له اعتباره في التفكير ورسم الخطط. ولذا ترى المسلمون تمكنوا من الوقوف في الوسط الرشيد بين من ذهب إلى حتمية العلاقة بين السبب والمسبب، ومن ذهب لعدم وجود أي علاقة وأنها محض عشوائية.

فالقواعد التي بنى عليها المسلمون فكرهم ترى الأشياء على ما هي عليه وترى حكمة الله وراء كل شيء فهناك نظام مطرد وهناك تنوع مقدر من الله، وهذا التنوع وراءه حكمة وهذه هي الحيرة التي نراها في كلامهم مرة يعبرون عنها بالعشوائية ومرة بالفوضى ومرة بأن هناك قانونًا وراء هذه العشوائية وتلك الفوضى. ولو سار البحث تحت القواعد السابقة واختار ألفاظه لتوصل إلى مزيد من معرفة أسرار الله في كونه المسخر لبني آدم.

ولقد حاول من حاول تقييد العالم في الحرب الإسرائيلية على لبنان أن يصف ما يحدث هناك بأنه فوضى خلاقة، فالفوضى لا تأتي بالنظام الذي يعرفه البشر ويرتب عليه مصالحهم أبدا، إن هذه الفوضى المذمومة التي روجوا لها، فوضى تؤدي إلى الإفساد والخراب والهلاك ، وقلة الأدب والهذيان بدعوى أن الفوضى نظام الكون أو كما يقول (جيم موريسون) : (أنا اهتم بأي شيء يتعلق بالثورة، باللانظام، وبالفوضى وخاصة الأنشطة التي لا تحمل أي معنى، فهذا كما أعتقد الطريق المباشر إلى الحرية). وهو أحد أشهر مغني الروك الأمريكي وقد وجدوه مقتولاً في حوض استحمام بباريس. إن هذا التوجه هو الأقل وجودًا والأقل صوتا حتى الآن، ولكنها من دعاوى العصر الجديد New age الذي ما زال عقلاء البشر يرفضونه بالرغم مما فيه شهوات.

ولقد تكدست المعلومات وتفرعت وتشعبت بضخامة وفظاعة غير مسبوقة، فالوكالات الست الكبرى تبث عددا هائلا من المعلومات يوميًا، تبث 120 مليون معلومة يوميًا بين خبر وتحقيق وحديث صحفي وتقرير ..

فثورة المعلومات والمعلوماتية فاقت كل تصور وبنوك المعلومات في العالم تحاول المتابعة، لا سيما ما ظهر من آثارها في السنوات الماضية بما يسمى مشكلة تفجر المعلومات (Information Explosion)  حيث يتراوح معدل النمو السنوي للإنتاج الفكري ما بين 4% : 8%, ولمحاولة تصور كمية المعلومات التي تنتج في العالم، نأخذ مثالاً لدورية واحدة في فروع الكيمياء مثلا وهى (Chemical Abstracts) التي تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية, وتغطى هذه الدورية معظم ما ينشر من الدوريات العلمية المهمة في مجال الكيمياء فقط.

صدرت هذه الدورية عام 1907, واستكملت المليون بحث الأولى بعد واحد وثلاثين سنة. ثم بلغت المليون بحث الثانية في ثماني عشرة سنة, ورصدت المليون بحث الثالثة في سبع سنوات, أما المليون الرابعة فقد رصدتها خلال أربع سنوات فقط. وبصورة عامة فإن كمية المعلومات تتضاعف كل اثنتي عشرة سنة, وقد تطور حجم الإنتاج الفكري المنشور في الدوريات، وهى واحدة فقط من أشكال عديدة للنشر من مائة دورية في عام 1800 إلى أكثر من 70 ألف دورية في عقد الثمانينيات.

وكان من أسباب تفجر المعلومات زيادة حجم التخصص المعرفي، واتجه الباحثون إلى ما يعرف بالتخصصات الدقيقة، فتخصص الطب مثلاً، ينقسم إلى طب القلب، والمخ والأعصاب، ... وفي تخصص قسم الطب، هناك تخصص الشرايين، وجراحات القلب المفتوح، وداخل كل تخصص يتم بحث مسائل في غاية التدقيق، مما يشعب ويضخم حجم الإنتاج العلمي في كافة المجالات، مما يجعل عملية متابعة التطورات والإنجازات العلمية وما انتهى إليه العلم البشري عملية مستحيلة في العادة.

وتشير الإحصاءات إلى أن الإنتاج السنوي من المعلومات في مجال البحوث العلمية مقدر بعدد الوثائق المنشورة يصل ما بين 12: 14 مليون وثيقة, وأن عدد الأشخاص الذين يساهمون في هذا الإنتاج بشكل أو بآخر يتراوح ما بين 30 : 35 مليون شخص, وقد بلغ رصيد الدوريات على المستوى الدولي ما يقرب من مليون دورية, يضاف إليها كل عام ما يقرب من 15 ألف دورية جديدة, أما الكتب فقد بلغ الإنتاج الدولي منها حوالي 600 ألف عنوان أي بمعدل 1650 كتابًا  في اليوم, أو 70 كتابًا  في الساعة.

لذلك كله يجب أن يدرب الإنسان نفسه على استخلاص النافع من هذا الخضم الهائل من المعلومات، وكيفية التعامل معها. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمس فيه علما، سهل الله له طريقًا إلى الجنة) [رواه البخاري ومسلم]، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن يتجلى فيما روي عن وهب بن منبه من حكمة آل داود : (على العاقل أن يكون عالمًا بزمانه، ممسكا للسانه، مقبلا على شأنه) [البيهقي في شعب الإيمان]

قيمة مهمة في حياة المسلمين العلمية، وهي قيمة «والله أعلم»  وهي كلمة حكيمة تدل على أمور منها : أنه يعلن أن علمه محدود وأن حواسه التي تتلقى الواقع من حوله محدودة، وأن الدماغ الذي هو محل التفكير وأداته محدود كذلك، ومعنى هذا أنه مع اجتهاده وتعامله مع الواقع وبحثه يعترف بأنه محدود، ويبدو أن الذات لا تتضخم حينئذ ولا يغتر الإنسان بما قد توصل إليه، ويترك فرصة كبيرة من ورائه لقضايا القطع واليقين والجزم في مقابلة قضايا الظن.

        ومن حكمة هذه المقالة أيضا أن ذلك العالم عنده استعداد لتغير ما قد يكون قد أخطأ فيه وأنه يرجع عنه فورًا إذا ما تبين له الحق بالبرهان، وأنه يعلن أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، ولذلك فإنه لا يحترق أبدًا كما ذهب إليه بعضهم، ومن حكمة هذه المقالة أيضا أنه يُرجع العلم إلى أهله؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم كما في قوله تعالى : (علم الإنسان ما لم يعلم) [العلق :5]، وفي قوله تعالى : (وقل ربي زدني علما) [طه :114]، وفي قوله تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله) [البقرة :282]، بل في أصل الخلقة حيث يقول : (وعلم آدم الأسماء كلها) [البقرة :31].

ورد العلم إلى الله يفيد فائدتين عظيمتين : الأولى : مستوى التفكير المستنير الذي يربط ظواهر الحياة بحقائقها، وهي أن هذه الدنيا مخلوقة لخالق وأن الله سبحانه وتعالى، لم يدعنا بعد ما خلقنا عبثا، وذلك قال تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) [المؤمنون :115]  والفائدة الثانية : فائدة نفسية ترجع إلى العالم نفسه الذي يزداد تواضعًا لله كلما ازداد علمه، والذي يعلم عن يقين معنى قوله تعالى : (وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف :76]، ومعنى قوله تعالى : (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا) [الإسراء :85]، ومن الحكم أيضًا لهذه المقولة العظيمة أن العالم يترك مساحة للبحث بعده من غيره من العلماء

        3- وهذه المعاني السامية التي أحاطت بقول العلماء (الله أعلم) قد تجاوزها كثير من المتصدرين بغير علم فيما لا يعنيهم، والذين نصحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (من حسن إسلام المرء تركه ملا يعنيه) [أحمد ومالك في الموطأ، وابن حبان في صحيحه] فترى هؤلاء يتصدرون لكل أنواع المعرفة من غير علم، ويظنون أنهم إذا أنهوا كلامهم بقولهم (والله أعلم) قد نجاهم ذلك من المسئولية، ومن الحساب أمام الله، والأمر ليس كذلك، بل إن الله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى مسئولية الكلمة، وإلى أهميتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المستشار مؤتمن) [الترمذي والدارمي]، وقال أيضا : (من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه) [الحاكم في المستدرك].

والعلم الشرعي منه ما يتعلق بالأبدان ومنه ما يتعلق بالجنان، منه ما يتعلق بالظاهر ومنه ما يتعلق بالباطن، أما ما كان ظاهرا فمرده إلى شرع الله من أمر ونهي، وما كان متعلقا بالباطن فمنه معاملة ومنه مكاشفة، فالمعاملة هي تخلية القلب من القبيح وتحليه بالصحيح فتخليه من أمراض الفسق والحقد والحسد وتحليه بالتواضع والتوبة وأنوار الذكر.

فهذا العلم الذي لا يقف عند السطح ولا يكتفي بالأعماق بل يستنير بنور الله، فإذا سعينا لهذه الدرجة ومن الله علينا بها يصل العابد العارف بالله إلى علم المكاشفة حيث يذوق حلاوة الإيمان ويدخل في قلبه نور الإحسان، فلا يخرج منه أبدا وتتلألأ تلك المعاني في قلب الإنسان فيعبد ربه من غير تكليف يعبد ربه باشتياق إليه، وينظر إلى الكون من خلاله سبحانه، فلا يعتدي ، وينشر السلام والاستقرار في العالم.

فينبغي على المسلمين أن يملئوا عقولهم بالعلم المحمدي، وقلوبهم بالأنوار من ذكر رب العالمين، ويتعلموا ذلك بالتقوى حتى يصدق عليهم قوله تعالى : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة :282].

فعلينا أن نعود إلى مصدر قوتنا، وإلى القراءة الصحيحة في الكون والقرآن، هذا قبل الفوت وقبل الموت، فمع المحبرة إلى المقبرة، فتحصيل العلم منهج حياة مستمر لا يقال : أن أحدًا قد أحاط به وكلمة قالها الإمام أحمد أو هي منسوبة إليه (العلم من المهد إلى اللحد) لها قيمتها اليوم وغدا، ومعناها ومبناها جميل، أما المعنى فإن الإنسان يطلب العلم، وينبغي له أن يطلبه من المهد إلى اللحد لا يكل ولا يمل، يتخذ كل الوسائل المشروعة سعيا وراء تحصيل العلم، كل علم، العلم اليقيني والعلم الظني العلم في نسيجه المتكامل، والعمل في صورة معلومات وفي هذا الشعار وضع الإنسان في مكانه الصحيح حيث أنه محتاج إلى غيره، وأن حياته قاصرة عن استيعاب المعلومات وأن الواجبات أكبر من الأوقات وأن فوق كل ذي علم عليم.

فليست هناك أمة أعلت من شأن العلم كما أعلت أمة الإسلام، وليست هناك أمة ترقت في مدارج المعرفة كما ترقى أمة الإسلام حتى وصلنا إلى آخر الزمان ففر الناس من الدين فراراهم من الأسد، وخرجوا من التدين، وخرجوا من العلم وخرجوا من منظومة التقدم في الدنيا والدين أعادنا الله إلى مكانتنا آمين.

 

عدد الزيارات 4853 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)