طباعة
الأحد, 25 أيلول/سبتمبر 2016 17:09

هل يعطي الإسلام الحق للوالد في إجبار ابنته على زواج من لا تريد؟ وهل للمرأة في الإسلام إنهاء العلاقة الزوجية أم أن هذا حق للرجل وحده ؟

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في حق اختيار كل منهما للآخر، ولم يجعل للوالدين سلطة الإجبار عليهما؛ فدور الوالدين في تزويج أولادهما يتمثل في النصح والتوجيه والإرشاد، ولكن ليس لهما أن يجبرا أولادهما- ذكورا وإناثا – على زواج لا يرضونه، بل الاختيار الأخير في هذا للأبناء.

فالزواج يعتبر من خصوصيات المرء، وإن إجبار أحد الوالدين ابنته على الزواج بمن لا تريد محرم شرعًا؛ لأنه ظلم وتعدٍ على حقوق الآخرين، فللمرأة في الإسلام حريتها الكاملة في قبول -أو رد- من يأتي لخطبتها، ولا حق لأبيها أو وليها أن يجبرها على من لا تريد؛ لأن الحياة الزوجية لا يمكن أن تقوم على القسر والإكراه، وهذا يتناقض مع ما جعله الله بين الزوجين من مودة ورحمة.

وهذا الحكم المستقر دلت عليه نصوص كثيرة من شرعنا الحنيف، ووقائع فعلية تبين للعالم كله كيف تعامل الرحمة المهداة، إمام العالمين صلي الله عليه وسلم مع المرأة ووليها في تحد واضح لكل نظم الجاهلية التي تظلم المرأة، وأثبت حقها في اختيار زوجها، وأبطل زواج من حاول إجبارها حتى وإن كان ذلك الشخص هو الأب، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة لعادات العرب وقتها، فكان ذلك امتحانًا لقلوب المؤمنين بأن يرضوا بالشرع الحنيف الذي يكرم المرأة، ويحترم إرادتها واختيارها، ويتبرءوا من كل النظم التي تهين المرأة وتحتقرها وتظلمها.

فجاءت النصوص النبوية الشريفة في هذا الباب كلها تؤكد على هذا الحق، ومن ذلك قول النبي صلي الله عليه وسلم : « لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن » . قالوا : يا رسول الله وكيف إذنها ؟ قال : « أن تسكت »([1]). كما كان ينصف صلي الله عليه وسلم من تأتي تشكي إجبار أبيها لها على الزواج كما ثبت ذلك في سنته صلي الله عليه وسلم حيث روي : «أن جارية بكرا أتت النبي صلي الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهى كارهة، فخيرها النبي صلي الله عليه وسلم »([2]).

ورُوي : «أن رجلا زوج ابنة له وهي كارهة؛ فأتت رسول الله  صلي الله عليه وسلم  فقالت : إن، وذكرت كلمة معناها أبي زوجني رجلًا وأنا كارهة، وقد خطبني ابن عم لي. فقال : لا نكاح له انكحي من شئت»([3]).

وعن خنساء بنت خذام قالت : « أنكحني أبي  وأنا كارهة وأنا بكر، فشكوت ذلك للنبي  صلي الله عليه وسلم فقال : لا تنكحها وهي كارهة »([4])، وروي أنه : «كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد، فخطبها عم ولدها ورجل إلى أبيها، فأنكح الرجل وترك عم ولدها، فأتت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت : أنكحني أبي رجلًا لا أريده، وترك عم ولدي، فيؤخذ مني ولدي، فدعا النبي صلي الله عليه وسلم أباها فقال : أنكحت فلانًا فلانة ؟ قال : نعم. قال : أنت الذي لا نكاح لك. اذهبي فانكحي عم ولدك»([5]).

ويقول ابن القيم عن حديث النبي صلي الله عليه وسلم : « وسألته صلي الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا ؟ فقال : نعم تستأمر. قالت عائشة رضي الله عنها : فإنها تستحي، فقال صلي الله عليه وسلم : فذاك إذنها إذا هي سكتت » متفق عليه. وبهذه الفتوى نأخذ، وأنه لا بد من استئمار البكر، وقد صح عنه صلي الله عليه وسلم :« الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها. وفي لفظ : والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها » وفي الصحيحين عنه صلي الله عليه وسلم : «لا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا : وكيف إذنها ؟ قال أن تسكت » . « وسألته صلي الله عليه وسلم جارية بكر، فقالت : إن أباها زوجها وهي كارهة ، فخيرها النبي صلي الله عليه وسلم؛ فقد أمر باستئذان البكر، ونهى عن إنكاحها بدون إذنها ، وخير صلي الله عليه وسلم من نكحت ، ولم تستأذن » ، فكيف بالعدول عن ذلك كله ومخالفته»([6]).

واهتمام الإسلام بقضية الاختيار بين الزوجين هو في الحقيقة اهتمام بالنواة الأساسية المكونة للأسرة، فبداية الأسرة برجل وامرأة اجتمعا على قدر كبير من التفاهم، مما يؤثر في الأسرة عندما تكبر وتتعدد أطرافها، والأسرة هي اللبنة الأساسية للمجتمع، وعلى هذا الأساس السليم تنشأ الحضارات وتعلو القيم.

ويشهد لأهمية المرأة في تكوين المجتمع المسلم قول أمير الشعراء أحمد شوقي :

الأم مدرســـــــــــــةٌ  إذا  أعــــــــــــــــددتها

 

أعددت شعبًا طيب الأعــــــــــــراق

وكما أعطى الإسلام المرأة الحق في اختيار زوجها أعطاها الخيار في البقاء معه أو فراقه عندما تسوء العشرة بينهما ولا يمكن التوفيق والصلح ولهذا شرع الطلاق لمصلحة المرأة والرجل على السواء.

فمن المفاهيم الشائعة عن الإسلام ونظامه في الأسرة أن الرجل وحده هو الذي يملك حق إنهاء العلاقة الزوجية، وهو وحده صاحب قرار الطلاق، وأن المرأة لا تملك هذا الحق، والحقيقة غير ذلك تمامًا.

فإن التشريع الإسلامي في نظامه الفريد أعطى المرأة حق إنهاء العلاقة الزوجية كما أعطى للرجل ذلك، وجعل لإنهاء العلاقة الزوجية من قبل المرأة عدة أشكال؛ فللمرأة الحق في أن تشترط على زوجها أن تكون العصمة بيدها ـ بمعنى أن أمر الطلاق لها فتطلق نفسها وقت ما تشاء ـ وفي هذه الحالة تطلق المرأة نفسها وتستحق جميع حقوقها، وكأن الزوج هو الذي طلقها، فلا ينقص من حقها شيء، ولها كذلك أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها للضرر، إذا لحقها منه ضرر بالغ فيفرق بينهما القاضي، وتستحق كذلك جميع حقوقها دون أي نقصان، ولها كذلك أن تختلع ،وفي هذه الحالة فقط تنفصل المرأة عن الرجل، ولكنها تتنازل عن حقوقها لعدم وجود سبب لإنهاء العلاقة الزوجية؛ فليس من العدل حينئذ تغريم الرجل بالمستحقات، وهو متمسك بالعشرة بينهما.

وقد دل على هذه صور تخيير المرأة في قرار الانفصال نصوص كثيرة منها، ما روي عن ابن عباس : «أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له مغيث : كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلي الله عليه وسلم لعباس يا عباس ألا تعجب من حب مغيث ببريرة ومن بغض بريرة مغيثا ؟ فقال النبي صلي الله عليه وسلم :«لو أرجعته ؟ قالت : «يا رسول الله أتأمرني؟ قال: «إنما أنا أشفع» قالت : فلا حاجة لي فيه»([7])، وذلك لما علمت أن كلامه ليس أمرًا، وإنما هو مشورة تخيرت تركه، حيث كان من حقها تركه بعد أن أصبحت حرة.

    وجاءت امرأة ثابت ابن قيس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقالت : «يا رسول الله، ما أنقم على ثابث في دين ولا خلق إلا أني لا أحبه، فقال صلي الله عليه وسلم : فتردين عليه حديقته ؟ فقالت: نعم، فردت عليه حديقته وأمره ففارقها »([8]). هذا في إيضاح موجز لمسألة اختيار المرأة لزوجها واحترام إرادتها إذا أرادت فراق زوجها.

    وعليه فلا يجوز للأب أو لأي أحد من باب أولى أن يجبر ابنه أو ابنته على الزواج بمن يكرهان، وللمرأة إنهاء العلاقة الزوجية بالأشكال المذكورة والله تعالى أعلى وأعلم.

___________________________________________________

([1]) أخرجه أحمد في مسنده، ج2 ص 434، وأخرجه البخاري في صحيحه، ج 5 ص 1974، ومسلم في صحيحه، ج2 ص 1036.

([2]) أخرجه أحمد في مسنده، ج1 ص 117، وأبوداود في سننه ج 2 ص 232، وابن ماجه في سننه ، ج1 ص 603.

([3]) رواه النسائي في الكبرى، ج 3 ص 282.

([4]) رواه النسائي في الكبرى، ج 3 ص 282، والطبراني في الكبير، ج24، ص 251.

([5]) رواه عبد الرزاق في مصنفه، ج6 ص 146، وأبو عثمان الخراساني في السنن، ج1 ص 184.

([6]) إعلام الموقعين، لابن القيم، ج 4 ص 260، 261، ط دار الكتب العلمية.

([7]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج5 ص 2023، وأبو داود في سننه، ج2 ص 207، والنسائي في سننه، ج8 ص 245.

([8]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج5 ص 2022.

عدد الزيارات 8469 مرة